السلام
نشر الثقافة والتعليم بالوطن العربي
الجغرافيا السياسية

هي العلم الذي يبحث في تأثير الجغرافيا على السياسةأي الطريقة التي تؤثر بها المساحة، والتضاريس والمناخ على أحوال الدول والناس. فبسبب الجغرافيا كانت أثينا إمبراطورية بحرية، وبسببها أيضا كانت إسبرطة أقرب في طبيعتها إلى القوة البرية. وبسبب الجغرافيا أيضا، تمتعت الجزيرة البريطانية في القرن الثامن عشر بحرية الملاحة في البحار، في حين كانت بروسيا - وبسبب الجغرافيا أيضا- محاطة بالأعداء من جميع الجهات. الجغرافيا السياسية لست فقط تأثير الجغرافيا على السياسة ولكن أيضا تأثير السياسة على الجغرافيا فهناك الكثير من القرارات السياسية التي غيرت الوجه الجغرافي لمناطق كثيرة بالعالم كشق القنوات الكبرى كقناة السويس مثلا. وهناك عدة تعريفات للجغرافيا السياسية منها: 1/ تعريف الكساندر بأنها: دراسة الأقاليم السياسية التي تنقسم إليها الأرض كظاهرة من مظاهر سطحها سواء كانت الأقاليم صغيرة أو كبيرة. 2/ أما بومان فعرفها :تساعد في فهم السلوك السياسي للإنسان. 3/ أما العالم كوهين فقال بأنها: المناهج الجغرافية لدراسة العلاقات الدولية.

وإجمالاً يمكن فهم الجغرافيا السياسية بأنها دراسة الوحدات أو الأقاليم السياسية كظاهرات على سطح الأرض ومقومات وجودها وتطورها معتمدة علي خصائص البيئة الجغرافية من حيث قوتها أو ضعفها واستقرارها أو تفككها كما تهتم الجغرافيا السياسية بدراسة النظم السياسية .

وتعالج الجغرافيا السياسية النمط السياسي للعالم وهو نمط معقد إلي حد كبير بسبب التجزئة المتباينة لسطح الأرض إلي وحدات سياسية تتفاوت في الحجم المساحي والسكاني تفاوتاً كبيراً، وتغير الأنماط السياسية في حدودها ومقوماتها ومشكلاتها الناجمة عن التفاعل الإنسان ببيئته مما ينعكس علي أوضاعها الداخلية وعلاقتها الخارجية وتتهم الجغرافيا الجغرافية السياسية في هذا المجال بمواكبة مظاهر التحول في رقعة الوحدات السياسية وسكانها ومواردها وعلاقتها بالدول الأخرى، لذا فهي تتصل بعلوم أخرى عديدة تتضافر كلها لتحليل القوة الجغرافية طبيعياً وحضارياً واقتصادياً وتحديد علاقتها المتشبعة في المكان والزمان . (التاريخ –الإنسان والزمان والمكان- / العلوم السياسية –السياسة الخارجية للدولة والنظام الدولي والقانون الدولي-). عموماً تعتبر الجغرافيا السياسية علماً أكاديمياً حديثاً بالرغم من وجود مبادئها منذ ارسطو (الحجم السكاني الأمثل للدولة، المساحة الأفضل للدولة)، واسترابو، وابن خلدون (دورة حياة الدولة) لكن يعتبر الألمان هم من بدءوا هذا العلم وذلك بعد أن نشر الجغرافي الألماني فريدرك راتزل كتابه (الجغرافيا السياسية) وذلك في سنة 1897م ويعد الألمان أكثر من كتب في الجغرافيا السياسية. وهي تضم مجموعة من المفاهيم السياسية الرئيسية منها: جغرافية المستعمرات، الدولة والإقليم، الأمة والقومية، جغرافية الانتخابات، إضافةً للخطط الإستراتيجية الجيوبولتيكية التي حكمت العلاقات السياسية الحربية القديمة بل والحديثة علي أساس خصائص البيئة الجغرافية ..

 

(0) تعليقات
رحمك الله يا درويش

رحمك الله يا درويش
أحن .. الى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي .. و تكبر في الطفولة يوماً على صدر أمي وأعشق عمري لأني اذا مت أخجل من دمع أمي !
حمّلها moniah يوم الجمعة, 13 شعبان 29, 12:50 ص (توقيت القدس)

(0) تعليقات
أحن إلى خبز امي

أحن إلى خبز امي
خذيني ، اذا عدت يوماً وشاحاً لهديك وغطي عظامي بعشب تعمد من طهر كعبك وشدي وثاقي .. بخصلة شعر .. بخيط يلوح في ذيل ثوبك .. ضعيني ، اذا ما رجعت وقوداً بتنور نارك وحبل غسيل على سطح دارك لأني فقدت الوقوف بدون صلاة نهارك هرمت ، فردي مجوم الطفولة حتى أشارك صغار العصافير درب الرجوع .. لعش انتظارك .. !
حمّلها moniah يوم الجمعة, 13 شعبان 29, 12:50 ص (توقيت القدس)

(0) تعليقات
محمود درويش بالناصرة

محمود درويش بالناصرة
زيارة شاعرنا الكبير لمدينة البشارة ، في رحلة مع الذكريات
حمّلها amoo2005 يوم الاثنين, 16 شعبان 29, 9:55 م (توقيت القدس)

(0) تعليقات
محمود درويش على قبر توفيق زياد

محمود درويش على قبر توفيق زياد
زيارة محمود درويش لقبر شاعرنا الراحل توفيق زيادة في الناصرة ..
حمّلها amoo2005 يوم الاثنين, 16 شعبان 29, 7:55 م (توقيت القدس)

(0) تعليقات
رحمك الله يا درويش

رحمك الله يا درويش
أحن .. الى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي .. و تكبر في الطفولة يوماً على صدر أمي وأعشق عمري لأني اذا مت أخجل من دمع أمي !
حمّلها moniah يوم الجمعة, 13 شعبان 29, 12:50 ص (توقيت القدس)

(0) تعليقات
الخلافة ونشأة الحزبية السياسية

فاطمة جمعة
الخلافة ونشأة الحزبية السياسية

الحزبية السياسية في القديم والحديث هي قيام تكتل يضم جماعة من الناس لهم مصالح متقاربة وافكار متناسقة ولهم غايات موحدة ناجمة عن وضع موحد.
كذلك "فالحزب جند الرجل جماعته المستعدة دوماً للقتال ونحوه. وحزب الرجل أصحابه الذين على رأيه".
أما عصر الرسول لم يشهد نشوء أحزاب سياسية واضحة بل نواة حزبية أو بداية تكتلات في المجتمع الإسلامي فكان المسلمون من مهاجرين وأنصار آنذاك يدينون للنبي بالطاعة المطلقة وكانت كلمته القول الفصل في كل المسائل الدينية والاجتماعية والتشريعية، إليها يرجع المؤمنون، اذا طرأ خلاف بينهم، فلم يكن من مجال لنشوء الفرق واختلاف المذاهب. وهذا ما عبر عنه البغدادي بقوله "كان المسلمون عند وفاة الرسول (صلعم) على منهاج واحد في اصول الدين وفروعه غير من اظهر وفاقاً وأضمر نفاقاً".
ولكن الخلاف نشأ بين المسلمين بعد وفاة الرسول، والاختلاف امر طبيعي بين البشر وقد عبر عن ذلك الرسول (صلعم) بقوله: "ليأتين على امتي ما اتى على بني اسرائيل تفترق بنو اسرائيل على اثنتين وسبعين ملة وستفترق امتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم ملة كلهم في النار إلاّ واحدة".
وما دام الخلاف طبيعياً في المجتمعات البشرية، فلابد من ان تمر الامة الاسلامية بمراحل من النزاع وفترات من الخلاف. ولا غرابة في اختلاف المسلمين بعد وفاة النبي (صلعم) وإن كانت بذور الخلاف الأولى قد بدأت عند مرض النبي ووفاته ودفنه.
ولكن النزاع ظهر بين المسلمين منذ بدأوا يفكرون عملياً في من يخلف رسول الله "فقد كانت المسألة التي اختلف فيها المسلمون بعد النبي هي مسألة الخلافة أو الإمامة" وكانت من اعظم العوامل على الإطلاق في ظهور الأحزاب السياسية في ذلك الحين ومن ثم في نشوء الفرق الاسلامية. فمسألة الخلافة هي مسألة سياسية لا علاقة للدين بها. فالمسلمون لم يختلفوا في أركان الاسلام ومبادئه بل تركزت خلافاتهم في موضوع الخلافة أو الإمامة ذي الصبغة السياسية.
فأول حركة سياسية بعد وفاة الرسول كانت مبادرة الأنصار من الأوس والخزرج الى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة للتشاور في أمر خلافة الرسول ودعوا الى عقد الأمر لسعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، وقد علم بأمر اجتماعهم عمر بن الخطاب وأخبر أبا بكر بالأمر فاصطحبا ابا عبيدة بن الجراح ومضيا مسرعين نحوهم. والتقى المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة وطبيعي أن يحدث التنافس والصراع على السلطة والإمارة بينهم، فهم جميعاً مسلمون ولم يختلفوا في الدين ولكن بعض العصبية القبلية كانت لا تزال كامنة في نفوس كثير منهم، فقد عبرت هذه الروح عن نفسها في تصرفات طائفة من الذين ظهروا على المسرح السياسي في المدينة بعد وفاة الرسول بساعات وتحكمت في سير الأحداث ومجرى الامور التي توالت بسرعة مذهلة.
ففي هذه الفترة من حياة الدولة الإسلامية برزت في الساحة ثلاثة احزاب لكل منها وجهة نظر خاصة فيمن يخلف الرسول. "فعندما قبض رسول الله (صلعم) في شهر ربيع الاول سنة عشر من الهجرة افترقت الأمة ثلاث فرق: فرقة منها سميت الشيعة وهم شيعة علي بن ابي طالب عليه السلام ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، وفرقة منهم ادعت الامرة والسلطان وهم الانصار ودعوا الى عقد الامر لسعد ابن عبادة الخزرجي وفرقة مالت الى بيعة ابي بكر بن ابي قحافة".
فأما حزب الأنصار فقد قوضت خطبة أبي بكر أركان الوحدة فيه، وهذا الحزب لم يخلق فجأة يوم توفي الرسول بالذات، بل اننا نرى ان اجتماع السقيفة الذي كان عن سابق تصور وتصميم قد انتهى بجماعة الأنصار إلى اتخاذ هذه الخطوة يوم وفاة النبي. والذي يؤيد هذا الرأي ما ورد عن الرسول (صلعم) من اقوال مما جعل الانصار يشعرون بانهم سيضطهدون بعده. من ذلك قول الرسول للناس اثناء مرضه الذي توفي فيه "ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" كذلك وصيته للمهاجرين بالأنصار: "أما بعد يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيراً، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وانهم كانوا عيبتي التي أويت اليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم".
وكان لصدور مثل هذه الأقوال النبوية أثر في نفوس الأنصار الذين شعروا بالخوف من المصير السيء، فجمعهم هذا الشعور المشترك بالخطر على معنى واحد يعملون له متحدين وهم دعم مركزهم في الجماعة الاسلامية مما يجعلهم بمأمن من عدوان قريش وغير قريش ممن يضمرون لهم الضغينة ويظهرون لهم غير ما تكنه صدورهم.
فموقف سعد بن عبادة الذي طمح إلى الإمارة يوم السقيفة قبل ان تنتزعها منه قريش لأبي بكر، يعدُّ امتداداً لموقفه من قريش يوم فتح مكة. فعندما مر بأبي سفيان زعيم قريش نظر إليه سعد وقال: "اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم اذل الله قريشاً" ذلك أنه اراد يوم فتح مكة ان يستأصل شأفة القرشيين الذين لم يدخلوا بعد في الإسلام.
كذلك هناك موقف ثان يجسد المشاعر غير الودية التي كانت لدى سعد بن عبادة وقومه من الأنصار تجاه قريش قوم الرسول عقب غزوة حُنين وقسمة غنائمها "حين اعطى رسول الله من تلك الغنائم قريشاً ولم يعط الأنصار شيئاً فوجدوا في انفسهم حتى قال قائلهم لقي رسول الله قومه".
ولكنه بمرور الأيام أخذ الأنصار يشعرون بأن القرشيين الذين اجتلبوهم أصبحوا أقوى منهم فقاموا بمحاولات لكي يظهروا أنهم سادة في ديارهم وأنهم لا يحبون أن يرضوا بكل ما يفعله ضيوفهم. فعند وفاة الرسول قاموا بحركة قوية لكي يحصلوا على حقهم في السيادة في مدينتهم او ليحافظوا على الأقل على استقلالهم فيها. ولكنهم نسوا ان المدينة منذ زمن بعيد لم تعد مدينتهم بل صارت مدينة الرسول التي جعل منها عاصمة جزيرة العرب وعاصمة الإسلام. وهكذا فقد ظهر الصراع بين المهاجرين والأنصار وكان عامل الخوف هو السبب الأول لظهور حزب الأنصار وقد كان هذا العامل في جملة ما احتج به اعضاء هذا الحزب لحقهم في الخلافة.
أما حججهم التي استندوا اليها لدعم موقفهم في سقيفة بني ساعدة فتتألف كما يظهر من خطبهم من ثلاثة أمور:
1_ ان دارهم هي دار الهجرة في قول الحباب بن المنذر: "يا معشر الأنصار أنتم أهل الايواء والنصرة، واليكم كانت الهجرة، وأنتم أصحاب الدار والإيمان".
2_ انهم بذلوا في سبيل الدعوة الإسلامية دماءهم وأموالهم ونذروا أنفسهم للكفاح في سبيلها والدفاع عنها. يدلك على ذلك قول الحباب بن المنذر في السقيفة: "وأنتم أحق بهذا الأمر فإن باسيافكم دان الناس بهذا الدين".
3_ خوفهم من قريش ان تصير اليها السلطة وتملك زمام الأمر فتنتقم منهم وتوقع بهم وقد قتلوا رجالها في حروب الإسلام. ويدلك على هذا قول الحباب بن المنذر يوم السقيفة "منا امير ومنكم أمير، فان عمل المهاجري في الأنصاري شيئاً، رد عليه، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئاً رد عليه".
كذلك فبعد مبايعة ابي بكر وتحول الامارة عن الانصار، نرى الحباب بن المنذر يقول: "فعلتموها يا معشر الانصار، أما والله لكأني بابنائكم على أبواب أبنائهم قد وقفوا يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء. قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب؟ قال ليس منك أخاف ولكن ممن يجيء بعدك. إذا ذهبت انا وانت جاءنا بعدك من يسومنا الضيم".
هذه هي حجج الأنصار التي احتجوا بها حول أحقيتهم بالخلافة. ولكن أبا بكر استطاع أن يوقظ العصبية القبلية الكامنة في نفوس فريقي الأنصار من الأوس والخزرج حين قال مخاطباً الأنصار: "إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وان تطاولت إليه الأوس لم تقصر عن الخزرج. وقد كان بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا تداوى، فان نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي اسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري". وهذا ما جعل الأنصار ينقسمون الى فريقين ويندفع اسيد بن حضير سيد الأوس يقول لأصحابه: "والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت بهم عليهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً".
ففي سقيفة بني ساعدة إذن برزت العصبية القبلية في نفوس جماعتي الأنصار (من الأوس والخزرج) والتي لم يستطع الإسلام محوها نهائياً. فقد انقسم الأنصار وقام بشير بن سعد وكان حاسداً لسعد بن عبادة وكان من سادة الخزرج فقال: "يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين؛ ما أردنا به إلاّ رضا ربنا وطاعة نبينا؛ والكدح لأنفسنا؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا؛ فإن الله ولي المنة علينا بذلك؛ الاّ ان محمداً (صلعم) من قريش، وقومه أحق به وأولى. وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم".
ومن ثم بادر بشير بن سعد فبايع أبا بكر ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد قام اسيد بن حضير وهو رئيس الأوس فبايع سعداً بدافع الحسد والمنافسة فبايعت الأوس كلها لما بايع اسيد.
ولم يغب عن أبي بكر أن الدافع للأنصار للقيام بهذه الحركة هو عامل الخوف فلمح في خطبته إلى ما يقتلع هذا الوهم من أنفسهم ويبعث الأمن والطمأنينة في نفوسهم حين قال: "وأنتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله انصاراً لدينه ورسوله، وجعل اليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه واصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء وانتم الوزراء لا تُفتاتون بمشورة، ولا تقضى دونكم الأمور".
والحزب الثاني هو حزب المهاجرين؛ وهو الحزب الذي تمت له الغلبة في الميدان السياسي فاحرز السيادة حين تمت البيعة لابي بكر خليفة للمسلمين اما وجهة نظر هذا الحزب في خلافة النبي فقد "تآولت ان النبي لم ينص على خليفة بعينه وانه جعل الأمر الى الأمة تختار لنفسها من رضيته واعتل قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله (صلعم) أمر ابا بكر في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه اياه وقالوا، رضيه النبي (صلعم)، لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك".
اما منطلق هذا الحزب فيستند إلى دعامتين: السبق والقرابة. فهذا ابو بكر يحتج على الأنصار بقوله: "فهم (يعني المهاجرين) أول من عبد الله في الارض وآمن بالله وبالرسول؛ وهم اولياؤه وعشيرته، واحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك الاّ ظالم"، كذلك فان الحق لقريش وحدها في خلافة الرسول (صلعم) كما يقول عمر بن الخطاب: "ومن ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته، ونحن اولياؤه وعشيرته إلاّ مُدلّ بباطل، او متجانف لاثم، ومتورط في هلكة"، وها هو يرد على الحباب بن المنذر في دعواه "منا أمير ومنكم أمير"، أي من قريش امير ومن الأنصار امير وهو الحل الوسط الذي عرضته الانصار في تلك المناورة السياسية. "ولكن هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين". وكان من نتيجة هذه المناظرة السياسية المثيرة "ان سكتت الأنصار عن دعواها لرواية أبي بكر عن النبي عليه السلام الأئمة من قريش".
وقد تناول بعض المستشرقين موضوع خلافة الرسول بالكثير من التجني والمغالاة في تصوير الأحداث. فالاب لا منس في مقاله: "الحكومة الثلاثية" يتهم ابا بكر وعمر وابا عبيدة باتفاقهم في حياة الرسول على تولي الخلافة بالترتيب؛ وأنهم كانوا يعملون منذ أمد طويل في موضوع خلافة الرسول، وانهم احتاطوا للأمر بشكل دقيق للوصول اليها".
ولكنه يبدو من العسير علينا أن ننفي أو نثبت أمر الاتفاق الثلاثي الذي اكده الأب لامنس وحاول دعمه بالكثير من الروايات والوقائع التي كانت عرضة للمناقشة والرد من قبل الدكتورة زاهية قدورة في كتابها "عائشة ام المؤمنين" خاصة فيما يتعلق بدور عائشة في هذا الاتفاق حيث يتهمها بانها بدأت نشاطها السياسي منذ زمن الرسول وأنها كانت تنصر ما يسمى بالحكومة الثلاثية بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، في أن يتولوا الخلافة بالترتيب السابق وأنها كانت تهيء الجو لنجاح هذا الاتفاق في منزل الرسول، فهم حاولوا إخراج الرسول في أثناء مرضه الاخير من بيت ميمونة إلى بيت عائشة وبقيت عائشة الشاهدة الوحيدة في الأسبوع الاخير لمرض الرسول فهي تعتبر ان جميع هذه الادعاءات ينقصها الدليل وأن جميع الأقوال التي رويت عن عائشة في بيعة ابي بكر قد "رويت عن الرسول بعد وفاته وبعد ان بويع ابو بكر وذلك تقوية لمركزه في الخلافة بعد ان وجدت نفسها امام الامر الواقع وتمهيداً لاستخلافه عمر. وبالتالي يكون ادعاء لا منس في انها لعبت دوراً مهما في استخلاف ابيها وحبكت المؤامرات من اجل ذلك غير صحيح".
ومهما يكن من امر هذا الحزب فأقطابه من الرجال الثلاثة، ابو بكر وعمر وابو عبيدة الكتلة الثلاثية التي أدارت شؤون المسلمين والإسلام بعد في المهد واستطاعت بفضل ما أوتيت من وعي ويقظة وحدب على الدعوة من خنق الفتنة في مهدها تلك الفتنة المتمثلة في الصراع على السلطة بين الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة، والتي كانت ولا شك ستؤدي إلى هدم وحدة المسلمين وتقويض أركان الدولة الاسلامية الفتية. وهذا ما عبر عنه ابو بكر بقوله: "لم أجد من ذلك بداً خشيت على امة محمد (صلعم) من الفرقة".
وهناك من يعتبر خلافة أبي بكر "مثالاً لعادة عربية قديمة ينتقل بحسبها منصب رئاسة القبيلة عندما يموت شيخها إلى من كان يتمتع في القبيلة بأعظم النفوذ، فينتخب كبار القبيلة أحدهم لاملاء المكان الشاغر ويكون محترماً اما لسنه أو لنفوذه او لخدماته المجيدة للصالح العام". فابو عبيدة يخاطب عليا بقوله "انك حديث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى ابا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، واشد احتمالاً له واضطلاعاً به".
أما الحزب الثالث فهو الحزب الهاشمي "وهم فرقة علي بن ابي طالب عليه السلام المسمون شيعة علي في زمان النبي (صلعم) وبعده معروفون بانقطاعهم اليه والقول بإمامته". وهو كحزب المهاجرين يذهب الى ان خلافة الرسول منحصرة في قريش ولكنه لم يذهب في التعميم بل كان يرى أن حق الخلافة منحصر في بني هاشم وعلى التخصيص في علي بن ابي طالب فهو ابن عم الرسول وهو اول الناس إسلاماً وزوج فاطمة بنت النبي (صلعم) هذا بالاضافة الى جهاده وفضله وعمله التي وضعها في خدمة الدعوة الإسلامية. كذلك فإن اصحاب علي رأوا ان الخلافة ميراث ادبي ولو كان النبي يورث في ماله لكان أولى به قرابته فكذلك الإرث الادبي.
وقد كان عنصر القبيلة في حزبي الانصار والمهاجرين قوياً كما رأينا من تكوينهما العام ومن جدلهما في الميدان السياسي اما أعضاء الحزب الهاشمي فكانوا عناصر متباينة المنبت لا تجمع بينها اية وحدة قبلية بخلاف الحزبين السابقين فمنهم الكندي كالمقداد بن الاسود والعبد كسلمان الفارسي والغفاري كأبي ذر جندب بن جنادة الغفاري وعمار بن ياسر العنسي". الى جانب غيرهم من عيون المهاجرين والأنصار.
والحزب الهاشمي كالحزبين الآخرين لم يكن ابن ساعته ولو فكرياً على الأقل فقد بدأ التفكير في امر خلافة الرسول اثناء مرضه الاخير كما تشير المصادر. "فالعباس بن عبد المطلب كان قد لقي علياً فقال: إن النبي يقبض، فاسأله إن كان الأمر لنا بَيَّنه وان كان لغيرنا أوصى بنا خيراً". فالتفكير في الخلافة كان يشغل أذهان المسلمين نظراً لأهمية هذا المركز من الناحيتين الدينية والسياسية.
ورجال هذا الحرب يستندون في تأييد وجهة نظرهم إلى أحاديث ينسبونها الى النبي (صلعم) منها "ان النبي (صلعم) قد نص عليه وأشار اليه باسمه ونسبه وعينه وقلد الامة امامته ونصبه لهم علماً وعقد له عليهم إمرة المؤمنين وجعله أولى بالناس منهم بأنفسهم في مواطن كثيرة مثل غدير خم وغيره واعلمهم ان منزلته منه منزلة هارون من موسى صلى الله عليهما الاّ انه لا نبي بعده فهذا دليل امامته".
وبينما الهاشميون في شغل عما يحدث بين الحزبين السابقين في سقيفة بني ساعدة من الجدل واخذ المبايعة "كانوا يهتمون بتجهيز الرسول. تقرر مصير الخلافة الاسلامية بمبايعة ابي بكر في السقيفة دون أن يعلم احد من اعضاء الحزب الهاشمي بشيء مما تمّ حينذاك حتى اذا خرج القوم من السقيفة إلى المسجد، أتاهم نبأ ما توصل إليه المجتمعون. ومما لا شك فيه أن عليا ومن معه فوجئوا بهذا النبأ كأنهم اخذوا على حين غرّة من حيث لم يكونوا يتوقعون ذلك. الاّ العباس بن عبد المطلب فانه كما يبدون لنا من خلال إلحاحه على ابن اخيه علي بن ابي طالب في طلب الخلافة دون ابطاء كانه يحس بان في الجو شيئاً، وبأن الأمر يوشك ان يفلت من ابن اخيه، فهو يقول لعلي: "امدد يدك أبايعك، يبايعك الناس".
وتختلف الأحاديث حول مبايعة علي لأبي بكر بالخلافة. ففي رواية "ان عليا كان في بيته اذ أتي فقيل له: قد جلس ابو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه ازار ولا رداء، عجلاً، كراهية أن يبطىء عنها، حتى بايعه". وفي رواية اخرى عن الزهري "قال رجل للزهري: أفلم يبايعه علي ستة أشهر! قال: لا، ولا أحدٌ من بني هاشم؛ حتى بايعه عليٌ". والأرجح أن بيعة علي قد تأخرت بعض الوقت وذلك بسبب سوء العلاقة التي نشات بين فاطمة وابي بكر بشأن ميراثها من فدك وخيبر وذلك حين ذكر أبو بكر ما سمعه عن الرسول (صلعم) "لا نورث ما تركنا فهو صدقة، انما يأكل آل محمد في هذا المال... فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت".
والمصادر تذكر الجدل الذي دار بين الحزب الهاشمي ممثلاً بعلي وحزب المهاجرين حول موضوع الخلافة والصراع على السلطة بمفهومها السياسي وحول أحقية كل فريق في خلافة النبي (صلعم). فعلي كان يرى أن القوم قد عدوا على حق له، فسلبوه اياه فيقول مخاطبا ابا بكر: "انا احق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، اخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي وتأخذونه منا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للانصار، إنكم أولى بهذا الأمر منهم، لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الامارة. وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار"، كذلك قوله "احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة" من جملة ما احتج به علي على خلافة أبي بكر يريد ان المهاجرين احتجوا بانهم من شجرة النبي (صلعم) فاولى بالاحتجاج من يجمعهم والنبي أنهم من ثمرة قريش وهم قرابته. وسواء صح هذا القول من علي أم لم يصح فهو تعبير صادق عما في نفسه.
وقد استند الحزب الهاشمي كحزب المهاجرين بالسبق والقرابة حول احقيته بالخلافة، وكان السلاح الذي شهره علي في سعيه لانتزاع الخلافة من "تيم" رهط أبي بكر واعادتها الى بيت الرسول وآله، وذلك باستخدامه الرباط المقدس الذي يجمعه بفاطمة ابنة النبي فيربطه بالرسول ويجعله من آل بيته. "فكان يخرج ليلاً راكباً حماراً ويطوف بها على مجالس الأنصار واحيائهم تسألهم النصرة لعلي في قضية الخلافة ولكنهم كانوا يقولون لها "يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل" فالأنصار كانوا قد بايعوا أبا بكر، والبيعة عند العربي عهد يعطيه فيملكه ولا يستطيع منه فكاكاً، وهي تدل على ما للكلمة من حرمة وقدسية عند العربي.
وكان التزاحم والصراع على السلطة هو المؤثر والمحرك الفعال في كل هذه الاحداث وقد شغلت تلك المسألة السياسية تفكير المسلمين في ذلك العصر، كما كان للعصبية القبلية الدور الفعال في هذه الاحداث والتي حاول الرسول جهده في محوها من النفوس واحلال الرابطة الدينية مكانها، ولكننا نراها بعد وفاته قد برزت سافرة عن وجهها، وعادت لتتحكم في مجرى الأحداث.
كذلك فالعصبية القبلية هي التي دفعت أبا سفيان إلى أن ينادي بعيد وفاة الرسول (صلعم) "ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش" يقصد بني مرة رهط ابي بكر. فزعامة قريش كانت في آل عبد مناف أعز قريش قبيلاً واكثرها عدداً على اختلاف ذات بينها من هاشمية واموية. اما تيم بن مرة رهط ابي بكر فكان كما عرفها أبو سفيان أقل حي في قريش. فأبو سفيان الذي حارب ابن عمه الرسول فيما سبق، انما كانت دعواه بداعي العصبية، فهو كان ينظر إلى الرسول ومركزه بين قومه نظرة زعيم عربي إلى ابن عم منافس له في الزعامة قد توارثا المنافسة على الزعامة منذ الجاهلية. أما الآن فهو لا يرى أن تخرج الزعامة من بيت ابن عمه إلى بيت قصي عنه، بعد أن خرجت من بيته لذلك فهو يقول لعلي:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم
ولا سيما تيم بن مرة أو عــدي
فمـا الامر إلاّ فيكم واليكُـــم
وليس لهـا الاّ أبـو حسن علـي
ويقول لعلي ايضاً: ابا حسن ابسط يدك حتى أبايعك فهو الآن يحقق المثل الشعبي المعروف: "مع اخيه وابن عمه على الغريب" ولكن التفاهم عاد فتمَّ بين ابي سفيان وبين الحزب الحاكم، بعد تعيين ابنه يزيد اميراً على الجيش الغازي سورية فقيل له: "انه قد ولى ابنك؛ قال: وصلته رحم".
ولعل اجماع المسلمين يومئذ على جعل الخلافة في قريش كان في سبيل المصلحة العامة، ذلك ان العرب كانت تقرُّ لقريش تقدمها ورئاستها والمقصود من اختيارها حين ندبت للخلافة العصبية، لأنها كانت صاحبة العصبية أي الكلمة المسموعة.
وهكذا فاننا نرى أن مشكلة الخلافة الإسلامية في ذلك العصر قد فتحت ابواب الصراع بين المسلمين على السلطة بمفهومها السياسي وإن كان الدين ستاراً صبغ هذه الخلافات "فأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان" وهكذا "فان بيعة ابي بكر كانت فلتة... غير ان الله وقى شرها"، وكانت مقدماتها الأولى كنتائجها ذات طابع سياسي، يتلخص في اختيار شخص دون آخر لتسلم مقاليد زمام الخلافة، وأدت من ثم إلى ظهور الأحزاب السياسية في المجتمع الاسلامي. وكانت العصبية سيدة الموقف فيها.
------------------------------
* المصدر:الاتجاهات الحزبية في الاسلام

(0) تعليقات
الخصي المسلم

فاطمة المرنيسي
الخصي المسلم

يشكل إلغاء الحريم وتشتت محظيات السلطان عبدالحميد الثاني وخصيانه عام 1909 منعطفاً تاريخياً مهماً في التاريخ العثماني وتاريخ المجتمعات الإسلامية عموماً، لأن هذه التدابير أعلنت نهاية الحجر على النساء وحصولهن على التعليم كجزء لا يتجزأ من برامج الحركات القومية. وقد تبنى زعماء القومية الإسلامية على غرار أتاتورك في تركيا الحركة النسوية منذ أواخر القرن التاسع عشر، لا سيما تعليم النساء، كإحدى دعائم بناء الدولة الوطنية، وضرورة لتجديد وتنشيط المجتمعات الإسلامية أمام الغزو الاستعماري. وكانت أيضاً مناسبة ليرى الغربيون للمرة الأولى أكثر النساء خضوعاً لحراسة مشددة في الامبراطورية، أي محظيات السلطان.
بيد أن لا السلاطين العثمانيين ولا الخلفاء العباسيين من قبلهم اخترعوا الخصي. ويجمع كل الباحثين الغربيين الذين تناولوا هذه الظاهرة على أن عادة إخصاء الفتيان لغايات مختلفة (حراسة الحريم، الغناء، الخ ..) كانت تقليداً غربياً معروفاً لدى الإغريق والبيزنطيين، ولم يعرفه الأتراك قط قبل سقوط القسطنطينية في القرن الخامس عشر. وقد اعتمدوه لدى احتكاكهم بالعالم المسيحي: ((بالرغم من أن استخدام الخصيان كان شائعاً في الشرق الأوسط والأقصى، كانت هذه العادة غير معروفة عملياً وغير ذات أهمية لدى الأتراك، قبل أن يؤسسوا عاصمتهم في أوروبا ويأخذونها عن البيزنطيين. ولم تكن هذه العادة جديدة في القسطنطينية. وبالرغم من أن دوميتيانس قد حظّر استخدام الخصيان في القرن المسيحي الأول، فقد شاع هذا الاستخدام لدى البيزنطيين)). ويضيف بنزر أن السلاطين العثمانيين الأوائل لم يعرفوا الخصيان والحريم ولا طقوس البلاط المعقدة التي اعتمدوها بعد أن فتحوا بيزنطية.
وتقول الباحثة التركية أليف لايتل كروتييه:
((كان السلطان محمد الثاني ... مهووساً بتحيول عاصمته الجديدة التي أطلق عليها اسم اسطمبول إلى نسخة جديدة عن القسطنطينية، إنما أكثر عظمة وترفاً. وقد سمح للسلطانة الأم بتنظيم قصره على طريقة خدر (أجنحة الحريم) الامبراطورة هيلانة، أرملة قسطنطين. كان الحريم يقع في جناح منعزل ومقصي، وراء الحدائق الداخلية، وتعيش فيه النساء حياة منفصلة تماماً عن حياة القصر ... وقد اعتمد السلطان محمد الثاني عادات بيزنطية أخرى كعادة سجن أفراد العائلة المالكة، مؤسساً مدارس داخل القصر، وكعادة إحاطة نفسه بكوكبة من العبيد الذين كانوا يعيشون في البلاط)).
وتخلص الباحثة إلى أن ممارسة تعدد الزوجات، الذي كان تقليداً مسلماً قبل احتكاك الأتراك ببيزنطية، قد انسجمت انسجاماً تاماً مع العادات البيزنطية، وأتاحت للعثمانيين تطوير السراي إلى درجة لم يسبق لها مثيل. وقد كان تطوير هذه المؤسسة الذي يجسد قوتهم هو الذي جعلهم يصبحون محط الأنظار.
أما الخلفاء العباسيون فقد أنفقوا مبالغ طائلة قبل العثمانيين بقرون عديدة لاقتناء الخصيان واستخدامهم. وكان أول خليفة عباسي اشتهر بتعلقه المفرط بالخصيان، هو الأمين، ابن هارون الرشيد. ويروي المسعودي أن الخليفة الأمين ((قد قدَّم الخدم وآثرهم ورفع منازلهم))، بحيث أن والدته، الأميرة زبيدة الشهيرة، إبنة عم هارون الرشيد والزوجة الوحيدة من سلالة بني العباس التي أنجبت له ولداً (فقد كان أبناؤه الآخرون من الإماء)، أشاعت عادة الغلاميات لاجتذاب ابنها إلى النساء. ويقول المسعودي أنها ((اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه وعممت رؤوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقبية والقراطق والمناطق ... وبعثت بهن إليه)). ويرى المسعودي أن زبيدة وفقت في مسعاها لأن الخليفة ((استحسنهن واجتذبن قلبه إليهن ... واتخذ الناس ... الجواري المطمومات وألبسوهن الأقبية والمناطق، وسموهن الغلاميات)).
وقد استمرت ظاهرة الخصيان لفترة طويلة بعد سقوط الامبراطورية العثمانية في الكثير من الدول العربية، حتى إلغاء العبودية التي استمرت في الخفاء بالرغم من قيام الدول الغربية بحظرها. وخلافاً لكلمة حريم التي أصلها عربي، من كلمة حرام التي تدل على المحظور وتصف النطاق المخصص للنساء، فكلمة خصي أصلها يوناني
eunokhos (وتعني حرفياً الذي يحرس eune مخدع النساء). وكان هؤلاء الخصيان مكلفين بمراقبة النساء الحبيسات ((للإشراف على سلوكهن، والحؤول دون قيامهن بما يتنافى مع العفة أو الواجب الزوجي)).
------------------------------------
* المصدر :هل انتم محصنون ضد الحريم

(0) تعليقات
موقف الاسلام من العولمة في المجال الثقافي والسياسي

موقف الاسلام من العولمة في المجال الثقافي والسياسي

 

مقدمة:
أ- العولمة اصطلاحاً ومفهوماً:
يعبر مصطلح العولمة الذي تداول المفكرون والباحثون استخدامه منذ عقد من السنين (منذ نهاية الثمانينات) عن تحول عالمي في رؤية كثير من المرتكزات في مجال القيم الأخلاقية والاقتصاد والسياسة,التي كانت سائدة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية بين البشر.كما ويستبطن هذا المفهوم رؤية جديدة حول الهوية,هوية المجموعة وهوية الجماعة وهوية القوم.وحول شخصية المجتمع وشخصية الدولة على المستويات الوطنية والقومية بالنسبة الى المجتمعات التي تعاني من ضعف في سيادتها أو في اقتصادها أو في قوتها,أي لتلك المجتمعات التي تعتبر مغلوبة على أمرها في مجال المنافسة على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعلمية والثقافية وما الى ذلك.
هذه الظاهرة (العولمة) تبدو للناظر وكأنها كائن خارق الإمكانات,خارق القوى,يتهيا لافتراس كل مايقع بين يديه على المستوى العالمي من جماعات ودول وشعوب.وتأتي في مقدمة الفرائس التي تستشعر الخطر أو التي ينبغي أن تستشعر الخطر الأمة العربية والأمة الإسلامية,لأن في تقديرنا أنه كلما كان مجتمع ما أو أمة ما تتمتع بمضمون ثقافي يمكن تطويره وتثويره ليعيد صياغة هذا المجتمع وهذه الامة,وليكون له دور فعال وأصيل على المستوى العالمي,ولايكون مجرد تابع – كلما كان المجتمع ما وأمة ما من هذا القبيل – فإنه يكون فريسة نموذجية لهذا الكائن (العولمة) الذي يهدف الى أن يلغي كل الأغيار,ويدمج كل التنوعات في صيغته الخاصة,وهو مايمكنه من أن يمتص ويستحوذ على كل القدرات في الطبيعة وفي الانسان لمصلحته الخاصة,لمصلحة قوته ومتعته واستهلاكه,بل على جميع المستويات المعنوية والمادية.
هل يعبر هذا الفهم عن حقيقة موضوعية؟هل غدت العولمة في السنوات العشر الماضية حقيقة حاسمة في الإجتماع البشري,أو أنها لاتزال افتراضاً يمكن أن يتحقق ويمكن أن لايتحقق؟
نحن لانرى أنها مجرد وهم كما لانرى أنها حقيقة غالبة وراهنة,هي شيء في دور التكوين قطع شوطاً يعتد به حتى الآن في إبراز معالم ذاته.نرى ذلك في السياسات الاقتصادية,ونرى ذلك في السياسات الأمنية ونرى ذلك في الظاهرة الثقافية (في المجال الثقافي).إذن العولمة هي شيء غير مكتمل الآن ولكنه ليس ساكناً,بل ينمو.
نحن في مواجهة مشروع استحواذ جديد يتكون,وقدمر في مراحل متنوعة منذ القدم,ولكنه يتمتع الآن بأقصى قدراته,وذلك لما أتاحه العلم الحديث في جميع حقوله من قدرات خارقة لمن يمتلك ناصية القوة والنفوذ.ومن هنا فإن الحديث عن هذا المشروع والتهيؤ له من قبلنا عرباً ومسلمين يعتبر من حسن الفطن,لأن استباق الأخطار أفضل من مواجهتها بعد أن تقع,استباق الخطر بالتهيؤ له,والتحكم ضده,وتهيئة الوسائل المناسبة لمواجهته ومكافحته,هي خير من عدم المبالاة.
ب- العالمية والنظام العالمي:
وقبل الدخول في بحث مضمون العولمة وتحديد الموقف منه,نرى من المناسب التمييز بينه وبين مصطلحين آخرين:أحدهما مصطلح النظام العالمي,والثاني مصطلح العالمية.
أما مصطلح النظام العالمي فيبدو أنه لغة للتعبير عن طموح نحو إيجاد نظام سياسي عالمي تهميمن فيه أو تفرض فيه قوة وحيدة أو تحالف قوى,هيمنة سياسية إنطلاقاً من مصالحها المادية ونظرتها الفلسفية (أساساً من حيث مصالحها المادية) على أكبر قدر ممكن من دول وشعوب العالم.
لقد شهد العالم عدة انظمة عالمية شمولية منذ العهد الروماني تمثل فيما سمي (العالم الروماني,والسلام الروماني) وتمظهر بعد ذلك في عدة صيغ الى أن ظهر الإسلام وتكونت الدولة الإسلامية التي تطورت الى نظام عالمي كان جديداً في حينه,وبعد ذلك جاءت أنظمة عالمية اخرى تتابعت الى العصر الحديث حيث شهد هذا العصر عدة تجارب كان آخرها ما سمي النظام العالمي الجديد الذي برز بوضوح بعد انهيار الإتحاد الإسلامي السوفييتي.
هذا النظام العالمي هو آلية لممارسة سياسة للتأثير,تنطلق وترتكز على المصالح التي تسعى إليها أو تدافع عنها مجموعة القوى العظمى.في مرحلتنا الراهنة تمحورت هذه القوى العظمى في الولايات المتحدة الأمريكية وليش ثمة ضرورة تدعو الى أن يكون لهذا النظام علاقة بالثقافة والحضارة.هو يمكن أن يتعايش ويتفاعل مع ثقافات متنوعة ومختلفة ومع أنماط حضارية مختلفة.إن جوهره هو ممارسة السلطة لمصلحة نظام المصالح الغالب.
اما العالمية,فهي تعتبير عن مجال قد يكون بعيداً عم السياسة والإقتصاد,بل هي تعبير عن النوع الثقافي.فالعالمية تعني الإعتراف بالأدوار,بحيث يكون العالم منفتحاً على بعضه مع الإحتفاظ بتنوعاته,ولقد كانت هذه هي السمة البارزة في الحضارة والثقافة والإيمان الإسلامي بشكل خاص:الاعتراف بالآخرين,إحترام خصوصيات الآخرين.وهو الأمر الذي أنتج حالة الحوار بين الثقافات والحضارات والدول والشعوب والمصالح والاديان وما الى ذلك.
إذن العالمية لاتعني الهيمنة الإقتصادية كما لاتعني في الوقت نفسه أيضاً الهيمنة الثقافية,وإنما تعني التنوع وانفتاح الثقافة الخاصة على الثقافات الاخرى,تعني التعارف وفقاً للمبدأ القرآني:
"ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..".
ج- مضمون العولمة:
أما العولمة,كما عرفت وكما يبدو من تطبيقاتها,فهي تقوم على اجتياح للثقافات الأخرى ومحوها محواً كاملاً,وإذا كان لهذه الثقافات من بقاء فسيكون بقاء فلكلورياً لمجرد الإستمتاع وليس لتنمية وإخصاب الذات الانسانية,إنها سيطرة القوى الكبرى والغالبة,وهي الى جانب السيطرة الإقتصادية والسياسية تمارس السيطرة الثقافية وتستخدم كل تنوع ثقافي في سبيل التنكيل بالاخرين وإرهاب الآخرين لأجل استتباعهم ثقافياً.
إن العولمة بالصيغة الأمريكية التي يحاولون فرضها على العالم لاتمثل تحدياً بقدر ما تمثل غزواً,فهي مشروع يتسلم واقع الهيمنة على السياسة والاقتصاد من جهة,وبالقدرة غير المسبوقة في توجيه الإعلام من جهة أخرى,كما أنها تتسلح أيضاً بالقدرة على التشريع على المستوى الدولي.
ولذا فإن العولمة لاتمثل في نظرنا تحدياً,بل تمثل غزواً وهذا الغزو لابد من مقاومته.
إننا نعتقد أن دعاة العولمة يهدفون الى السيطرة الإقتصادية تحت شعار دعوى أنها تؤدي الى ارتفاع مستوى الحياة للدول.والى أتاحة توزيع أفضل للاقتصاد.كما يهدفون الى السيطرة الثقافية التي تؤدي الى تشويه أو تذويب الشخصية الخاصة.
ومن جهة أخرى فإن العولمة تؤدي الى تشجيع عوامل التفتت والإنقسام داخل المجتمعات الأخرى,والى إثارة التناقضات العرقية والدينية والمذهبية بين الأقوام داخل المجتمعات,وتؤدي بهذه المجتمعات الى حروب وتوترات داخلية تتيح الاستيلاء عليها,والهيمنة عليها وعلى اقتصادها,أنها تتيح تفتيت البنى الثقافية والاخلاقية و أنظمة القيم داخل مجتمع وداخل كل حضارة لمصلحة تيار الحداثة,كما يتجاوز فيما يسمى الحضارة الأمريكية والثقافة الأمريكية ونمط الحياة والعيش الأمريكي.
هذا يفرض علينا,يفرض على كل شعب,كل حضارة,كل ثقافة,مسؤوليات تحصين الذات من جهة والإنفتاح من جهة أخرى:تحصين الذات بما لايعني الإنغلاق,والإنفتاح بما لايعني الذوبان.
بالنسبة لنا في العالم العربي والإسلامي فإن هذا يفرض مسؤوليات تربوية في الأسرة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الحياة العامة.وهي مسؤوليات أكبر وأثقل ضرورة وإلحاحاً مما كانت عليه الحال قبل نشوء الموجة الثقافية والتيار الثقافي الماحق والساحق الذي يتدفق بواسطة الإنترنت والتلفزيون والسينما والصحافة وما الى ذلك تحت عنوان الحداثة.
د- الحداثة والعولمة:
إن العناصر الفكرية الفلسفية المكونة للحداثة ثلاثة:
العنصر الأول – الحداثة تقوم على الرؤية الدنيوية المرتكزة على أن العالم الموضوعي الخارجي هو الحقيقة,وهذه الرؤية تنفي أي تدخلات غيبية ما وراثية في وجود العالم أو في صيرورة العالم (العلمانية الكاملة).
وفي هذه الحالة فإن عمل الإنسان في المجتمع والطبيعة,وعمل المجتمع في نفسه يهدف الى تحقيق غايات ومقاصد من سنخ الموضوع الذي نحيا فيه,أي أنه يهدف الى تحقيق أهداف ومقاصد مادية.
تتعلق بالسيطرة على الطبيعة وبتحسين حالة العيش,في مقابل النظرة الإسلامية أو النظرة الدينية عموماً التي ترتكز على أن هدف الحياة والخلق,هدف الوجود يتجاوز العالم المادي الى تحقيق غايات ومقاصد روحية في كينونة الإنسان وفي شخصية الإنسان وفي مصيره الأخروي.
العنصر الثاني – الذي ترتكز عليه حداثة هو أنها تقوم على الفرد,تقوم على أن محور الوجود,محور العمل,محور النشاطات هو الفرد.التأكيد على فردية الإنسان.وعلى هذا الأساس فهي تدعو الى إعطاء كل الفرص لنمو الفرد وازدهار الفرد وسعادة الفرد.وهذا يبرز مقصداً أساسياً وهو إعطاء أوسع الحريات للفرد في مقابل الواجب.
يسيطر حينئذ مبدأ الحرية مقابل مبدأ الواجب.وفي هذه الحالة يكون النظام الأمثل هو الذي يعطي اكبر قدر من الحرية للفرد على نفسه وعلى الطبيعة وعلى تصرفاته,في مقابل أقل قدر من الالتزامات والواجبات تجاه الغير.
العنصر الثالث – تقوم الحداثة على أن المرجعية في فهم الأشياء وفي الحكم على الأشياء,في فهم التصرفات وفي الحكم على التصرفات,على صحتها وخطئها هو العقل الوضعي,العقل الذي يرتكز البراغماتية (النظرة النفعية) المحضة وعلى المادية المحضة,وهو ليس العقل الذي يدرك به الخير والشر والذي يقوم على مبدأ أخلاقي (العقل العملي بالاصطلاح الفلسفي).
إذن المرجعية هي للعقل الوضعي المادي النفعي,في مقابل مرجعية أخرى اي مرجعية العقل بالمعنى الذي يدرك الخير والشر ويدرك الحسن والقبح,والى جانب مرجعية الوحي.
هذه العناصر الثلاثة هي التي تقوم عليها فكرة الحداثة أو فكرة العلمانية المطلقة.
وهذه العناصر الثلاثة حين تشكل أساساً لثقافة الفرد,فإنها تنتج هذا الفرد الذي نرى نماذجه في الحياة الغربية المعاصرة,كما نلاحظ حينما يطبق على الدولة,تلك الدولة التي تحاول أن تتخلص من كل التزام ديني,وكل التزام إجتماعي وأخلاقي,وكل التزام يقوم على الأخلاق وعلى الغيب وعلى مرجعية الدين.بحيث تكون الدولة مادية.
هذا من جهة,ومن جهة أخرى فإن سلطة الدولة تتقلص وتكون سلطة هشة,باعتبار أن الاتجاه الفردي هو الذي يحكمها,وأن مبدأ الحرية بالتالي هو الذي يحكمها,ويأخذ الأفراد منها أكبر مساحة من الإستقلالية,وتكون الدولة مجرد منسق ومديراً للأنشطة ولاتشكل أية قيادة على الإطلاق.
فالدولة العصرية – دولة الحداثة – تختلف عن الدولة التقليدية,تصبح دولة غير دينية,ربما لاتعادي الدين سياسياً وسلطوياً ولكنها بالتأكيد تعاديه عملياً وتطبيقياً,وتكون دولة مادية ودورها يتركز على توفير فرص التعامل بين الأفراد.
العولمة في التطبيق الملموس:
تؤدي العولمة الى هشاشة الدولة تجاه الخارج فلاتعود متماسكة أمام القوى العظمى التي تسيطر على تيارات العولمة في الإقتصاد وفي الثقافة وفي السياسة وفي الإعلام.
وحينما تكون الدولة مؤلفة من فئات مذهبية أو عرقية أو اجتماعية أو دينية أو من ذلك كله,فإنها تكون أيضاً هشة في الداخل أمام عوامل الانقسام وتكون هشة في الخارج أمام عوامل الاستتباع.ونعتقد أن هذا أحد مقاصد الدول العظمى.
وأما إذا كانت الدولة متجانسة في شعبها فإن هشاشتها اتجاه الخارج تؤدي الى استقواها على شعبها في الداخل,وترتفع مستويات القمع ومصادرة الحريات وفرض السياسات على المجتمع.
إن فسح المجال للعولمة في مجال الإقتصاد يؤدي الى إفساح المجال لسيطرة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والتي لاتعترف بالدول ولابالحدود ولابالشعوب ولابالأخلاق,بل تؤدي الى تدمير القيم الأخلاقية التي يجب أن تحكم الإقتصاد والتنمية والعلم,وقد تسخر كل ذلك لزيادة الأرباح,ولقمع كل تطلع ويؤنسن التنمية ويؤنسن العلم.
وحينما نبحث عن القوى المؤثرة والتي تدير عملية العولمة لمصلحة القوة العظمى الأخرى نجد أنها الدول الثماني الصناعية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية,والمؤسسات النقدية العالمية الخاصة مثل البنوك الكبرى في العالم,وصندوق النقد الدولي,والبنك الدولي للإنشاء والتعمير,ومنظمة التجارة العالمية,والشركات المتعددة الجنسيات.
ونلاحظ نحن المسلمين أن جميع هذه القوى المحركة للعولمة والتي تديرها,تتخذ موقفاً سلبياً من الإسلام والعرب في الصراع مع الصهيونية,وفي قضايا الثقافة,مثلاً حيث نلاحظ الموقف الذي اتخذ بشأن سلمان رشدي أو تسليمة نسرين أو غيرهما,وبينما نجد أنها تقف موقفاً محابياً للصهيونية ولمؤسساتها إسرائيل.
إن هذا الموقف المتحكم وغير المحايد,والعدواني في كثير من الحالات,يظهر في كثير من المواقف والسياسات في جميع المجالات وعلى جميع المستويات.
إن وقوف العرب والمسلمين ضد العولمة,أو أتخاذ موقف الحذر ناشىء من التجربة العملية,وليس مجرد موقف انفعالي.
وليس العرب وحدهم ضد العولمة,وليس المسلمون وحدهم ضد العولمة,فنحن نلاحظ كيف أن الاوروبيين وخصوصاً الفرنسيين ينعتون العولمة بأنها (أمركة العالم) وهي في الحقيقة امركة العالم.والأمريكيون يقولون أنها النظام العالمي.يريدون أن يعطوها إسماً غير أمريكي ولكنهم يسيطرون عليه.
أوروبا تصرخ وتقول (أوقفوا الأمركة) لأن هذا النظام المسمي النظام العالمي يهدف الى فرض الثقافة الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي,والإستيلاء على مقدرات الإقتصاد العالمي,وتحطيم الإقتصادات الاخرى,حينما تعجز أمريكا عن استتباعها,ونتذكر صرخة وزير الثقافة الفرنسي (جاك لانغ) في المكسيك في المؤتمر العالمي للأونيسكو حينما قال: (إتحدوا ياثقافات الدنيا ضد الغزو الأمريكي الثقافي) العولمة تتجلى بهذا النحو من الإستتباع.
إشكال مواجهة العولمة
إن المهم عند المسلم ومن وجهة النظر الإسلامية فيما يتعلق بالعولمة هو تحصين الذات من التشويه والذوبان,تحصين الذات الحضارية والثقافية والإعتقادية والتشريعية من التشويه والذوبان في الآخر,من دون قطيعة مع الاخر,بل مع الإستجابة لجميع دواعي الإتصال.
ومن جهة أخرى تحصين المصالح من الإنتهاك,المصالح الإقتصادية وقضايا السيادة والإستقلال.ومع ضمان هذين الأمرين فإن الإسلام يحض على التواصل الحي الفعال مع العالم.
ولكن الحركات والدول الإسلامية (وهو الموقف السائد في العالم الثالث عموماً) اتخذت في مواجهة العولمة أحد ثلاثة مواقف:
هناك من يدعو بحماس الى الإندماج المطلق والإستجابة لكل مقتضيات العولمة,والتخلي عن كل الخصوصيات التي تميز الشخصية وتميز الدور,والتي تؤهل للدور المتميز.
وهناك فريق يعمل على الإنسحاب والإنزواء والرفض,ويتشبث بالهوية الوطنية والثقافة الوطنية,ويتهم كل تجليات العولمة.
وهذا الإنكماش والإنطواء على الذات والإنقطاع عن متغيرات العالم ليس حلاً للمشكلة,لأنه لايجوز أن نختنق داخل أسوارنا,بل لم تعد لنا أسوار لأن وسائل الإتصال المتطورة,وإرادة الغزو والإستحواذ,لم تبق أسواراً لأية حضارة ولأي شعب ولأية ثقافة,فمآل حالة الإنزواء والإنطواء الى الانتحار الذاتي,الى خنق الذات والى محق الذات.
هناك تيار ثالث توفيقي يحمل نفس السمات التي ظهرت في التيار التوفيقي بين الإسلام والغرب في بدايات التواصل والإحتكاك بين العالم الإسلامي وأوروبا الغربية وحضارتها,هذا التيار يحاول أن يؤلف بين التيارين السابقين,يأخذ من العولمة مايرى بأنه لايتنافى مع الهوية والشخصية,ويرفض من العولمة مايرى انه يتنافى.
هذا التيار التوفيقي في الحقيقة تيار فاشل,ونعتبر أن التوفيقي بهذا المعنى,بأخذ صيغ ومؤسسات جاهزة ونبذ مؤسسات وصيغ جاهزة يشبه تأثيث منزل بموديلات متعددة ومن عصور مختلفة.إن مقولة (إننا نأخذ مايناسب العلم ونحتفظ بقيمنا) مقولة غير واقعية لأن السؤال هو: هل يتمتع نظام القيم عندنا بالقدرة على مقاومة غزو تيار العولمة؟هل هو قادر على أن يقاوم الثقافة الحسية البصرية المادية الشهوانية وبكل العناصر التي يشتمل عليها تيار الحداثة كما بيناه؟
الجواب
إنه غير قادر.إننا في هذه الحالة نتخذ موقفاً لفظياً وشكلياً بينما يؤول بنا الأمر الى الذوبان الكامل.
لابد من اعتماد مبدا المقاومة ومبدأ تطوير الذات وليس المحافظة على مانعتبره من الثوابت.
المطلوب هو تعميق وتفعيل حركة الاجتهاد,وتطوير كل مؤسسات الأمة في أنظمتها السياسية,وفي توجهاتها العلمية والثقافية,وفي توجهاتها الاقتصادية في مجالات الصناعة وفي مجالات الزراعة وفي مجالات المال.
لابد أن نتحرك في انتفاضة شاملة تعيد بناء الأمة وفقاً لنظرة جديدة تحيي أصالتها وحركتها وفاعليتها في مواجهة الأغيار,ومن دون هذا نحن لانرى أن هناك افقاً يسمح بمقاومة التيار الوافد.
إن الموقف الصحيح الذي نراه ليس اخذ صيغ من العولمة,بل إدارة العملية الثقافية الإقتصادية الإعلامية وبالتواصل مع العالم الآخر,بنحو أننا نحن المسلمين والعرب نولد عولمتنا الخاصة,أو – بعبارة أخرى- نولد صيغتنا الخاصة من العولمة على قاعدة الثوابت الإسلامية التي تسم الأمة الإسلامية والأمة العربية.
في هذه الحالة حينما نأخذ من العولمة السائدة شيئاً لايبقى بوجه من الوجوه محتفظاً بهويته الأمريكية أو الغربية على وجه العموم.بل يعاد تكوينه من داخله ومن مضمونه ليكتسب الهوية والصيغة التي تناسبنا وتتبع من ذاتيتنا الخاصة.
وفي المجال التوفيقي نلاحظ أنه يؤخذ من العولمة كل المواد الإستهلاكية في الأفكار والمواد المادية,يقال أننا نحتفظ بشخصيتنا الفكرية وصيغنا الوطنية في تركيبنا السياسي وفي بناء الدولة عندنا,وهذا وهم,لأن قوة الأشياء تؤثر على الأفكار والقيم.
إن العولمة بالنسبة الى العالم الثالث أو معظم العالم تعني التلقي والإستتباع,تعني أن يكون دور الاخرين هو الخضوع,وأن موقعهم موقع تلقي التعليمات وتلقي صيغ الحياة والعيش,والإستتباع في المجال الإقتصادي والسياسي,بدل الحوار وبدل الإشتراك في صناعة صيغ الحياة وصيغ المجتمع.
إن (التعارف) الذي هو هدف (التنوع) بحسب المفهوم القرآني يعني تبادل الآراء وتبادل الخبرات والإنتاج المشترك لصيغ تولد من خلال الحوار والاتصال.ولكن مع سيطرة الاعلان والاعلام الإعلاني تحول الأمر الى أن الإعلام لم يعد حواراً,لقد تحول الى إعلان لايدعو الى الحوار,بل يدعو الى الإصغاء,الاعلام والتعارف تعبيران عن ثقافتين مختلفتين.
التعارف يخلق أجواء الحوار والتواصل البشري الانساني والتعاون وتحقيق مكاسب مشتركة,بينما الاعلام الإعلاني والاعلان الاعلامي يجمع كل المواد الاعلامية الملائمة لوجهة نظر سياسية أو اقتصادية أو فلسفية معينة,ويبثها على أنها حقائق وأفكار أساسية,ويطلب من الاخرين أن يقبلوها.
في ظل هذه الحالة يعيش العالم اليوم المرحلة التي يبدو فيها الصراع محسوماً لصالح الاعلان في صراعه مع الإعلام الصحيح بمعنى التعارف,ويبدو الاعلام أو الإنباء هو الوظيفة الإتصالية الكبرى التي يسخرها الاعلان بشكل كامل لغاياته واهدافه السريعة التي تقوم على جني الارباح.
ماهو هدف العولمة:
يقال أن هدف العولمة هو تكوين الانسان الجديد!
من هو هذا الانسان الجديد؟
هذا الانسان الجديد كما نراه ونفهمه هو الانسان المملوك والمصادر إعلامياً,الغارق في الشكلية,الخالي من أي مضمون خاص,بل إن الشكل أصبح هو المضمون.أنه الانسان الذي تقوم حياته على الاستهلاك المحض,وعلى اللذة والمتع الحسية من دون ان يكون هناك أي مضمون آخر يغذي الحضارة بالقيم ويقوم على القيم.أنه الانسان المادي الذي وصفه الله تعالى بقوله "أخلد الى الأرض واتبع هواه" (سورة الأعراف – مكية – الآية 12) "جعل إلهه هواه" "الذين كفروا يتمتعون يأكلون كما تأكل الأنعام" ( سورة محمد,مدنية – 47,الآية :12).
إن العولمة فيما يظهر لنا من مسارها ومن تجلياتها في الأمن والاقتصاد والثقافة,هي عبارة عن عولمة 20 أو25% من سكان العالم على حساب 75% أو 80% من سكانه,حيث أن فريق العولمة يسيطر على مصائر باقي العالم,ويهيمن على اقتصاده وعلى أسواقه وعلى كيانه الوطنية وعلى هوياته الثقافية.
إن القوى المهيمنة على العولمة والتي تستغل العالم تحت شعارها تحتكر التكنولوجيا,وتحتكر التحكم بالنظام المالي على مستوى عالمي,وتتمتع بسهولة حصولها على الموارد الطبيعية على مستوى الكرة الارضية بأسعار بخسة,وتتمتع بالقدرة على التحكم بوسائل الاعلام والإتصال,وتملك أسلحة الدمار الشامل.
وهكذا تبدو العولمة من هذا المنظور تحكماً في العالم وليس مشاركة له.
لقد لاحظنا دائماً ان محاولات مايسمى (التحديث الثقافي) أو (التحديث الحضاري) الذي يمارسه الغرب تجاه الآخر,والآن تمارسه الإرادة الأمريكية الغريبة تجاه العالم,هو يهدف :إما الى القضاء على مقومات المناعة والصمود والدور في شعب من الشعوب,وإلغاء منافس محتمل أو فعلي,أو- إذا لم يكن الأمر كذلك – فهو تدمير القوى التي تحول دون جعل هذا الشعب سوقاً للمنتجات التي تصدرها القوى الغربية.تعتبر العولمة اداة من أدوات الإقتصاد,وكما أن الاقتصاد أصبح أداة من أدوات الثقافة,تهدف العولمة الى تدمير قوى المناعة التي تجعل من العرب أو من المسلمين أو من الصينيين أو من الهنود,أو غير هؤلاء,تجعل منهم قوة منافسة على مستوى المستقبل في المجال الحضاري,بكل مايعنيه ذلك من علوم وثقافة وتكييف وتكيف للطبيعة ومع الطبيعة,أو إخضاع هذه الشعوب وإخضاع هذه الامم لاجل أن تكون سوقاً لاستهلاك المواد المصنعة ومصدراً للمواد الخام,ومصدراً للايدي العاملة الرخيصة,والقضاء في سبيل هذا الهدف على قوى الممانعة في هذه الشعوب,وهذا مانلاحظه في صور سافرة أو بأساليب سافرة أو مقنعة في محاولة فرض الكيان الاسرائيلي على الأمة العربية والإسلامية.يبدو لنا أن العولمة والحضارة والتنظيم هي إعادة تعبير عن مقولة رسالة الرجل الابيض,وهي إعادة تعبير عن مقولة تنازع البقاء وبقاء الأصلح التي تعني الأقوى.
إن هذه الصيغة اعادة انتاج مشروع افتراس العالم بالانياب والمخالب التي تكونت له نتيجة للتطور العلمي الجديد.إنها مشروع للسيطرة يدخل من باب الاقتصاد,ومن باب الثقافة ومن باب القيم,مشروع يركز القوة في يد واحدة لأجل أن يفتت المجموع ولأجل أن يسيطر على المجموع.قد لايبالي هذا النظام بالخصوصيات الثقافية للآخرين إذا لم تتعارض مع مشروعه للسيطرة حيث أنها في هذه الحالة ستتحول الى مجرد صور فلكلورية تبعث التسلية والبهجة حين تفقد قدرتها على أن تكون قوة ممانعة.
ولكن مجردأن يكون هذا المضمون الثقافي مشروع ممانعة في مواجهة مشروع التسلط,فإنها تدمر بكل قساوة وبقوة القانون,من قبيل استخدام المؤتمرات التي تستهدف تهديم الأسرة كما في مؤتمر المرأة في بكين وفي القاهرة,أو التي تستهدف تدمير الاقتصاد كما في مؤتمرات الاقتصاد والتنمية,أوتستهدف القضاء على السيادة وإعطاء شرعية للتدخل في صميم خصوصيات كل شعب كما في استخدام شعار حقوق الانسان والمؤسسات المسماة دولية,أو (قانون الحماية الدينية) التي تنتج إيجاد شرعية دولية للتدخل في شؤون الشعوب الأخرى.
إجراءات إغلاق هذه المنافذ تماماً لاتكفي لحماية الذات الثقافية والحضارية,بل ينبغي أن تعمل الى جانب ذلك على تحصين الذات.ومن تحصين الذات يكون بتطوير القدرة الثقافية عند المسلم في أبعاد الثقافة كلها,تطوير المضمون الثقافي على مستوى الروحنة والعلاقة مع الله,وعلى مستوى الاندماج مع الطبيعة والمجتمع,وعقلنة العلاقة مع الطبيعة ومع المجتمع,وعلى مستوى تطوير وتفعيل حركة الاجتهاد في الامة لاكتشاف آفاق الاسلام بالنسبة الى متغيرات الوضع الانساني في العالم المعاصر,ولخلق مناعة وكفاءة من كل ذلك تؤهل المسلم لأن يحتفظ بشخصيته في ضمن التنوعات التي تواجهه.
أسس الخصوصية الثقافية للأمة:
إن لكل مجتمع من المجتمعات انتماءً ثقافياً وخصوصيةً تميزه عن غيره من المجتمعات,قد تكون هذه الخصوصية جداراً يفصله عن الناس,وقد يكون معبراً يصله بالناس.
إن الخصوصيات الثقافية والحضارية لأمة من الامم والتي تمثل شخصيتها تنشأ من أمرين رئيسيين:
الاول :المعتقد الذي تتولد منه قيم توجه السلوك,وتحكم النظرة الى الكون والحياة والانسان,وتحكم علاقة الانسان بالمجتمع البشري وبالطبيعة وبالكون كله.
وتتولد من المعتقد طبيعة تكوين الأسرة,وعلائق الأسرة,وأخلاق الاسرة,وتربية الناشئة في الأسرة.كذلك النظر الى العلم والى وظيفة العلم والى طريقة التعليم,كما تتولد منها أنماط من العلاقات بين الناس,بين الانسان والانسان,وبين القريب والبعيد,بين الأرحام,بين أبناء البلدة وأبناء المحلة وما الى ذلك.
الثاني: اللغة التي يتكلمها المجتمع ويتخاطب بها ويتفاعل مع نفسه من خلالها بكل ماتختزنه من خبرة تاريخية متراكمة مع الطبيعة ومع الانسان ومع الذات,وبما تختزنه من مستويات معرفية وحضارية مرت بها الأمة التي تتكلم تلك اللغة.
يمكن أن نقول إذن أن الخصوصية مقابل العالمية,مقابل مابه الاجتماع مع العالم,تتمظهر في أمرين كبيرين: تتمظهر في المعتقد الذي تتولد منه القيم والمعايير التي تحكم نظرة الانسان الى الكون والحياة والإنسان,وتتمظهر في اللغة بما تختزنه من خبرات ومن المضامين التي أشرنا اليها.
صيغ المواجهة مع التغريب والعولمة:
نلاحظ في العالم الاسلامي أن صيغ المواجهة أكثر ما تتجلى في الحركات الاسلامية التي يدعوها الغرب اصولية.
هذه الحركات التي نشات لاعتبارات سياسية في الدرجة الاولى,ولاعتبارات ثقافية في الدرجة الثانية,أخذت تهتم أكثر فاكثر بتأصيل نفسها عن طريق تأصيل الثقافة الاسلامية,وهذه الحركات قد استفادت من الامكانات المتاحة لوسائل الاتصال الحديثة على مستوى التلفزة والفيديو وأشرطة التسجيل والإنترنت وما الى ذلك,لتعميم مفاهيمها ورؤيتها الثقافية السياسية والفقهية.
المواجهة الثانية تتم بشكل اقل حدة وأكثر مرونة على مستوى بعض الجماعات الثقافية غير الحركية الاسلامية,مجموعات المثقفين المسلمين غير الحركيين ومجموعات المثقفين غير الاسلاميين الذين ينتمون الى تيارات قومية,ترى انه يجب المحافظة على الذات,لامن خلال رؤية دينية لهذه الذات ومن خلال الكينونة الدينية للذات بل من خلال الرؤية الموضوعية القومية العلمانية للذات.
المواجهة الثالثة الأقدم والأشمل هي مواجهة القوى الاسلامية المركزية التي تتمركز في المؤسسات الاسلامية الكبرى في العالم الاسلامي وهي مقرات دراسة وتعليم ونشر الاسلام من خارج إطار الحركات السياسية كما يتمثل ذلك في قم والنجف والأزهر ومثيلات هذه المؤسسات على مستوى العالم الاسلامي,تمثل هذه المراكز القلاع الكبرى المؤسساتية والتي تنتمي الى الأمة على مستوى شامل وغير جزئي,بل على مستوى شمولي تمثل الأمة في مواجهتها للتيارات الغريبة التي تتمثل الآن في تيار العولمة.
ولكن جميع هذه القوى تعاني من عدم الفاعلية بسبب العجز والتخلف.
ملاحظات في أسباب ومظاهر العجز والتخلف
إن الواقع الذي تعيشه الامة الاسلامية بجميع أطرها القومية والوطنية يتميز بامور تظهر فيها نقاط الضعف امام التحدي أو أمام الخطر الذي تمثله العولمة:
أولا- نلاحظ أن معظم الانظمة السياسية التي تحكم شعوب الامة الاسلامية تفتقر – بنسب متفاوتة – الى الديمقراطية والى الرعاية الامينة لحقوق الانسان,ولاتلعب أي دور في توفير الحوافز عند شعوب هذه الامة والابداع,ومن هنا نلاحظ هجرة المبدعين الموهوبين (هجرة الادمغة) الى خارج العالم الاسلامي.
لقد ادى هذا الى سيطرة الروح العشائرية والقبلية أو الفئوية على أنظمة الحكم,وأدى الى انحسار روح المواطنة بالمعنى الصحيح,ومن ثم أدى الى التخلف في الكينونة السياسية وفي العلاقة بين المواطن وبين نظام الحكم الذي يقوده ويسيره.
ثانيا- نلاحظ أن التخلف العلمي هو الذي يسم المجتمعات الاسلامية بالرغم من كثرة الجامعات,بالرغم من نمو عدد خريجي الجامعات,بالرغم من تقلص نسبة الأميين في هذه المجتمعات,إلا أننا في العالم الاسلامي حتى ألان لم نمتلك بصورة قوية وفعالة القدرة العلمية المبدعة,لم تتأسس مراكز الابحاث الجادة لعدم توفير الاموال اللازمة لها,كما لم تتوفر لها الحريات اللازمة,لم تتوفر للمبدعين مجالات الانتاج والنمو والازدهار.
نلاحظ أن الأموال تصرف على حقول ذات أهمية ثانوية,بينما لاينال الحقل العلمي حقل البحث العلمي والدراسة المتخصصة عالية المستوى مايجب أن يناله من عناية.
ثالثاً- نلاحظ أن الوضع السياسي والتنظيمي للدولة الاسلامية في أنفسها وفيما بينها يعوق حركة الأفكار والافراد,يعوق التواصل الحر مابين العرب والمسلمين,لخضوع حركة التواصل لاعتبارات سياسية وأمنية في الدرجة الاولى.وفي نفس الوقت لاتوجد شبكة اتصالات ميسرة بين هذه الدول,كما نلاحظ عدم وجود تعاون علمي فعال بين الدول والشعوب العربية والاسلامية,كما نلاحظ في نفس الوقت عدم وجود تكامل اقتصادي ومالي وصناعي وزراعي بحيث ان التجارة والتواصل البيني بين دول الأمة الاسلامية العربية أو غير العربية متخلف ومحدود جداً بالقياس الى التواصل بين كل دولة من هذه الدول وبين الدول الغربية الكبرى,وبين التشكلات الاقتصادية الكبرى الموجودة في القارة الأمريكية أو في أوروبا أو في آسيا.
رابعاً- نلاحظ التخلف الكبير في العناية بنشر اللغات الاسلامية وفي مقدمتها اللغة العربية وتليها الفارسية والتركية,نشرها والتأليف فيها وخدمتها,وتكوين المجامع العلمية والثقافية التي تطور وتغني الثروة العليمة,ثروة التعابير العلمية والمصطلحات العلمية بهذه اللغات,وخاصة باللغة العربية.
ومما يتصل بما ذكرناه أن هذه الدول الاسلامية تتراوح ين مستهلكة لكل شيء,ومستوردة لكل شيء وبين دول إنتاجها الأعظم والأضخم هو إنتاج المواد الخام,هي تستهلك المواد المصنعة وتنتج المواد الخام,وهي تعتبر اقتصادها وسوقها اقتصاداً تابعاً وذلياً بالنسبة الى الاقتصادات العالمية الفاعلة والمؤثرة.
هذا بالاضافة الى الوصاية التي مارسها الاستعمار القديم,ثم مارستها بعد الحرب العالمية الثانية القوى الاوروبية الكبرى بالاضافة الى الولايات المتحدة الامريكية,ثم مارستها وتمارسها الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبعد حرب الخليج الثانية,الولايات المتحدة الأمريكية قد أدت الى نمو ساحق للقدرة الاسرائيلية,والى انكماش في كل الادوار الاقتصادية والثقافية والعليمة والسياسية التي تمارسها الدول الاسلامية تجاه نفسها وتجاه العالم.
هذه بعض مظاهر العجز والتخلف,ونضيف الى ذلك أن روح الابداع والاجتهاد في الاسلام متخلفة.ولاتصلح لعلاج ذلك بعض التيارات التي تدعو- تحت عنوان الاجتهاد وستار الاجتهاد- الى الدخول فيما يدعى الحداثة,لأن هذا يستبطن تجاوزاً للإسلام وليس اجتهاداً في الاسلام.
نحن لاندعو الى هذا,بل ندعو الى ترشيد حركة الاجتهاد داخل الاسلام بحيث يتوالد الاسلام من داخله,يبدع ويزدهر من داخله بأفكار جديدة ورؤى تشريعية جديدة,ومناهج تواصل جديدة مع الامة ومع الطبيعة ومع العالم الاخر,مع المجتمعات الأخرى.
نلاحظ أن هذه الروح الابداعية الاسلامية لم تعبر عن نفسها بصورة مناسبة حتى بعد اعادة الاعتبار الى حركة الاجتهاد في جميع المذاهب الاسلامية وفي جميع التيارات الفقهية الاسلامية.
وهذا مادفع العولمة ومؤسساتها الى متابعة هجومها بصيغ متنوعة وبآليات ووسائل تناسب كل حقل من حقول المواجهة.
الشرق أوسطية وحقوق المرأة والحماية الدينية والتربية على الاسلام:
نلاحظ ان من الجهود البارزة لفرض واقع العولمة بصورتها السياسية والاقتصادية ومن ثم الثقافة محاولة ترسيخ مفهوم (الشرق اوسطية) وتحويله من مفهوم جغرافي الى مفهوم حضاري وثقافي وسياسي واقتصادي وإنساني,يهدف الى دمج اسرائيل في نسيج المنطقة العربية- الاسلامية الانساني والاقتصادي والثقافي,وتذويب العرب في نظام المصالح الاميركي الصهيوني واستبدال هوية المنطقة العربية الاسلامية بهوية جغرافية تضم اسرائيل.
ونشير الى انه من بين الوسائل التي تستخدمها القوى العظمى لفرض فكرة العولمة,المؤتمرات التي تركز على المرأة كما نلاحظ ذلك في مؤتمر القاهرة حول السكان والتنمية وفي مؤتمر بكين حول المرأة وفي مشروع قانون الحماية الدينية الامريكي.
ان مؤتمرات المرأة تحاول ان تستهدف فرض الرؤية العربية العلمانية بصيغتها الامريكية للمراة وللجنس وللعلاقات الجنسية وللأسرة,فرض هذه النطرة على العالم كله من خلال تطوير وضع قانوني في هذا الشأن يفرض على دول وشعوب العالم.
ومن التمظهرات المربية التي نعتقد انها وسائل اضعاف الذات العربية الاسلامية لاختراقها ولفرض ثقافة الآخر,ووجود الآخر هوان القوى الدولية المهيمنة استخدمت الاونيسكو للدعوة الى مايسمى التربية على السلام وحقوق الانسان والاعتراف بالآخر,ويراد من ذلك تشجيع عناصر التفكك داخل المجتمعات العربية والاسلامية داخل افريقيا مثلاً,وداخل امريكا اللاتينية,كما يراد فتح المجال لاسرائيل لتكون جزءاً أو عنصراً معترفاً به ومقبولاً في المنطقة,وذلك من خلال اعتبار ان الآخر الذي يجب قبوله هو اسرائيل,اما الآخر المسلم في اماكن اخرى والآخر العربي وحقوقه فهذا امر يغض النظر عنه.
كما نلاحظ ان الدعوات التي ظهرت في العالم الغربي والتي تعتبر ان الاسلام هو التحدي الجديد للعالم الغربي وللثقافة وللحداثة وللحضارة,والتي تعتبر ان الاسلام هوالعدو,كلها تصب في هدف تدمير الثقافة الاسلامية والكيانة الاسلامية لمصلحة ثقافة العولمة ومصالح القوى الكبرى في العالم التي تريد الهيمنة.
ان التعبير الذي عبر عنه (هانتجون) في مقولة صدام الحضارات و (فوكوياما) في مقولة نهاية التاريخ هما التعبيران المميزان في هذا المجال.
ويندرج في هذا السياق ايضاً الاصرار غير المبرر اطلاقاً على تشجيع ظاهرة سلمان رشدي وآياته الشيطانية وهي ظاهرة تجاوزت هذا الكتاب وروايته لتكون رمزاً لتشجيع كل مايؤدي الى استثارة المسلمين او انتقاصهم بهدف اتهامهم اذا سكتوا بهدف استلابهم,واذا تحركوا بهدف انتقاصهم واتهامهم.
نلاحظ ان هذا الاتجاه استدعى رد فعل بارز ومبارك على المستوى العربي والاسلامي ودعا الى تطوير صيغ التكامل الاقتصادي,والى اعادة الاعتبار للمواثيق المشتركة,ونعتبر ان التعبير الذي صدر عن قمة الدول الاسلامية في طهران قد كشف عن المكنون الثقافي العقائدي الرشيد لمضمون هذه الامة,لوعي الامة لمحتواها واتخاذ صيغة المقاومة,ليس المقاومة السلبية,بل المقاومة الايجابية التي تهدف الى اعادة توليد الاسلام لذاته بالنحو الذي اشرنا اليه فيما سبق.
المقاومة الاوربية للعولمة:
ان هاجس الخوف من المحق الثقافي والاستحواذ ليس مقصوراً على العالم الثالث او في خصوص العالم العربي والاسلامي,بل ان هذا الهاجس بدأ يظهر بقوة في العالم الاوروبي,حيث نجد ان الدول الاوروبية (كل دولة من جهة) وان الاتحاد الاوروبي ككل من جهة اخرى,يحاول تنظيم وتحصين ذاته ضد هذا الغزو,وضد مشروع الهيمنة تحت ستار العولمة,ونجد ظواهر ذلك في اوربا تتجلى في مجال اللغة والانتاج الفني في الاغنية وفي السينما وفي عادات الطعام وفي العادات الاجتماعية اضافة الى امور اخرى.
ومن البارز في هذا الحقل الاجراءات الاحترازية في فرنسا حيث وصل الامر الى حظر استخدام الالفاظ الانجليزية في الاعلانات أو في وسائل الاعلام.
ونلاحظ احد التعابير المهمة في سعي اوربا لتحصين نفسها تجاه العولمة الامريكية,ان الكيان الاوربي يعتبران الامن المعلوماتي احد الاهداف الرئيسية لتكتله في مجال الاقتصاد والسياسة والعلوم في مقابل الهيمنة الامريكية.
اننا نسجل هنا ان الخوف من تيار العولمة لايقتصر على البلدان العربية والاسلامية وغيرها في العالم الثالث,بل ان التعبيرعن هذا الخوف يتصاعد في عقر دار العولمة,حيث ان الطبيعة الافتراسية المادية لتيار العولمة يثير مخاوف في اوساط المفكرين المستقبليين في الولايات المتحدة نفسها الذين يحذرون من ان هذا التيار يمكن ان يفترس القوة التي اطلقته,لانه يدمر القيم تدميراً كاملاً ويؤدي الى هزيمة الذات امام القوة التي يطلقها هذا التيار,وكما تصاعد هذا الخوف في داخل اوروبا نفسها.
العولمة والتفاعل الحضاري:
ترى,هل صحيح مايقال من اننا نقيم على ارض الغرب على الصعيد الحضاري والمدني,واننا مدينون للغرب باسباب معاشنا ومظاهر عمراننا,وان التطور الذ ي نشهده في مجتمعاتنا لم يكن من الممكن حصوله لولا التوسع الغربي,ولولا احتكاكنا بالغرب الحديث؟
ترى,هل هذه حقيقة,هل نحن حقيقة نعيش حضارياً وفكرياً على ارض الغرب؟وما هو المقصود من ذلك؟هل هو المكتشفات الحديثة في الكهرباء ووسائل الاتصال؟ او هو عالم القيم؟ نحن لانتحدث عن المنجزات الحديثة التي لااريد ابداً ان اغفل اثرنا فيها ودورنا فيها,وليس من الانصاف ذلك وليس من العدالة ان ننكر دورنا في وصول الغرب الى هذه النتيجة.
ولااريد ان انسى دور الغرب في تدمير قدرتنا وطاقتنا على متابعة مسيرتنا وعلى متابعة نمونا.
ولكن يقال ان الانسان يعيش على هذه الارض,ماالمقصود بالارض,هل المقصود البيوت الحديثة والسيارات والطائرات؟أو المقصود عالم القيم؟
نحن نتحدث عن العيش في نطاق عالم قيمي,في عالم القيم نحن نلاحظ اننا مستهدفون,اماعلى صعيد التقنيات,هذا الغرب الذي انتج هذه المعجزات هو الغرب الذي انجز النازية والفاشية والماركسية بتطبيقاتها الشرسة,هو الذي انتج فكرة اللذة,وفكر الذرائع,وفكر العنف,وفكر الاستهلاك المفرط والتدمير الوحشي للطبيعة ولكل الامكانات.
ترى,هل المراد هذا؟
هذا هو مانلاحظه,وحينما يشعر الغرب الان بأن الانسان الآخر الذي يمثله عالم الاسلام أو العوالم الاخرى خارج الغرب يمكن ان يملك القدرة على التناظر معه يخترع لها هذه الصيغة,صيغة العولمة ليدمرها تحت ستار التقدم,انه من قبيل من يعطي السم في اللذة ليدمر الضحية وهي ضاحكة مسرورة.
ترى ماذا قدمت الحضارة المعاصرة بالصيغة التي آلت اليها,ماذا قدمت للانسانية غير توفير المتع المادية وغير استهلاك الطبيعة المفرط وتدمير البيئة الخطر؟ماذا قدمت غير تنمية وسائل اشباع اللذة,لتدعي لنفسها الوصاية على مصير البشر وعلى مضمون البشر وعلى اخلاق البشر وعلى تشريع البشر؟
مازالت الآلام ومظاهر التخلف والنقص التي كانت تعاني منها الانسانية على مدى التاريخ قائمة بالفعل,اكثر العالم فقير وجائع ومحروم,في وقت تتضخم فيه الثروة ويبلغ الاشباع حد التخمة لما لايزيد على عشرين بالمئة من العالم.ثمانون بالمئة من الجنس البشري يعانون من الفقر والجوع والمرض والتخلف,بينما تستحوذ نسبة العشرين بالمئة على كل ثروات العالم.
اما العلم فهو حكر على هذه القلة التي لاتسمح للاكثرية,ان تنال من العلم الا بمقدار مايجعلها قادرة على انتاج السلع الاساسية التي تغذي بها الصناعات الكبرى الصناعات المتطورة وماتتمكن به استهلاك البضائع التافهة في اغلبها التي تنشئها وتصنعها هذه القلة.
هناك قيود كثيرة على التطور العلمي,لقد غدا العلم وسيلة للسيطرة من فريق على فريق,بدل ان يكون وسيلة لتحرير البشرية كما هي نظرة الاسلام.
الحروب تزداد حدة وشدة وضرارة وانتشاراً.
وقد توصلت نسبة العشرين بالمئة من العالم,توصلت القوة البشرية التي تطلق تيار العولمة الى ان تزرع الفتن والثورات والانقسامات بين الشعوب,وتفتت وحدتها لاجل ان تضمن استمرار السيطرة عليها.
لقد تخلفت الى مستوى خطير اخلاق الحب والسماح والايثار والعفة,وتقلصت وضمرت الحياة الروحية والتعلق بالقيم.
هذا هو المناخ الذي تروجه العولمة وتريد ان تثبته باعتباره صيغة نهائية لتطور الجنس البشري.
العولمة الانسانية:
إن العولمة باعتبارها انسانية نحو تبادل المعونة ونحو التكامل المعرفي ونحو تقديم الانسان هي راسخة في صميم الإيمان الديني,وقد عبر عنها الاسلام حين دعا الى التعاون البشري على اساس البر والتقوى,وحينما جعل الهدف المستبطن في التنوع هو التعارف.وحينما ارسى فلسفة العلم على قاعدة أنه ذخيرة لكل بشر,وان الهدف من العلم هو خدمة الانسان وليس العلم للعلم الذي يؤدي الى السيطرة كيفما اتفق على المجتمع وعلى الطبيعة.
بهذا المعنى فان العولمة باعتبارها هدفاً انسانياً لإغناء الآخر وللتكامل معه ولاعطائه فرصة الازدهار,هي فكرة اصيل وذخيرة اصيلة للايمان الديني عند الجميع وخاصة في الاسلام.
من الافكار التي تتصل بهذا البحث وينبغي ابرازها والتي تكشف عن الروح الشريرة التي انتجت صيغة العولمة,النظرة التي طورتها الروح الفاشستية الغربية الى العلم والى وظيفة العلم في مقابل نظرة الاسلام.
اننا نلاحظ أن هذه الروح الغربية التي انتجت العولمة على مستوى العلاقات البشرية,هي التي انتجت اشد الاسلحة فتكاً وتدميراً,بحيث ان الاسلحة التي انتجها العقل الغربي والروح الغربية اخذت تهدد وجود الجنس البشري,لاول مرة في التاريخ,يمكن أن تؤدي غلطة,يمكن أن يؤدي عقل مجرم الى اطلاق قوى لايمكن السيطرة عليها تدمر الكرة الارضية برمتها او تدمر اعظم انجازات العقل الانساني.
هذه الروح التي انتجت هذه القوى الشريرة لايمكن اطلاقاً ان تدعي لنفسها اهلية وضع نظام للعلاقات الانسانية يستجيب لعالم القيم الذي يزدهر فيه الوجود الانساني,بل هي خليقة بأن تعيد انتاج نظام قيم يدمر خير ما في الانسان لمصلحة روح الشر التي تمثلت دائماً في هذا العقل الشرير.
تخلف المسلمين ودور الاسلام:
ان احدى العلل الاساسية التي يعاني منها الاجتماع الاسلامي هو التخلف الخطير في الفكر السياسي الذي يهدف الى بناء الاجتماع السياسي في المجتمعات الاسلامية على قاعدة الشورى وحقوق الانسان وقيمة الفرد وفي نطاق تكامله مع المجتمع وفي نطاق المجتمع.
ان الدولة السلطانية – في الماضي – قد انتخبت فكراً سياسياً يناسبها.فنجد ان الكتابات السياسية تركزت على عنصر الطاعة,طاعة الرعية للحاكم,وصيغ جباية الأموال للحاكم,ولم تبحث في حقوق المواطن والى حياة المواطن والى ثروة المواطن,والى ضوابط انفاق المال العام.
لقد عطل الاستبداد السياسي وعطل التحكم السلطاني القدرة على استنباط الفقه السياسي الذي يعبر عن جوهر العقيدة الاسلامية والشريعة الاسلامية في حرية الفرد وحقوق الانسان وحقوق المجتمع وطبيعة الدولة العادلة وما الى ذلك.
وهذه احدى العلل الكبرى التي يعاني منها الاجتماع الاسلامي في العصرالحديث,والتي تسكن في لاوعي المجتمع وفي لاوعي الحكم.
اننا بهذا الواقع لانستطيع بطبيعة الحال أن نواجه فكر العولمة وتيار العولمة,لابد من اصلاح عميق,لابد من أن تتظافر جهودنا دولاً وشعوباً,حكاماً ومواطنين على الخروج بحكمة من هذا الواقع نحو آفاق تعيد للذات الانسانية احترامها.
سيطرة الخوف:
إننا نعيش فيما بيننا في ظل الخوف وتوازنات الخوف.الحاكم يخاف من المحكوم,والحكام يخاف بعضهم من بعض داخل الدولة وفيما بين الدول.والمجتمع يخاف من مجموعاته الداخلية ويخاف من حكامه,خوف متبادل,والخوف يدفع بالدول والمجتمعات الى وضع صيغ تشريعية وتنظيمية واقتصادية لحماية الذات من الاخطار النابعة من ذاتها ضد ذاتها,بحيث أن الامة تبدو لي في كثير من الحالات مصداقاً للتحذير القرآني الذي بينه الله تعالى بالنسبة الى من كان بأسهم بينهم شديداً (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لايعقلون).وهذا يشل قدرة الامة على التصدي للخطر الآتي من الخارج.
أنسنة العولمة العربية:
إن هذه الاعتبارات كلها يجب أن تحملنا على العمل الجاد لأجل انسنة العولمة,يجعل العولمة تقوم على رؤية انسانية للعالم,وتلحظ سلامة الجنس البشري وكرامته في الوقت نفسه,تقوم على تدمير أسلحة الدمار الشامل ونزعها على مستوى العالم,وليس فقط على مستوى الضعفاء وإبقائها في يد الاقوياء.
وعلى تنظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية على الكوكب الأرضي,ووقف حالة الاستحواذ والاستغلال المفرط للموارد من قبل القوى العالمية المهيمنة,واخضاع الاقتصاد لحاجات الشعوب وليس لمطامع حفنة من أغنياء العالم وتوجيهه لمصلحة الجنس البشري وليس لمصلحة أل 20% من سكان الكوكب.
إيجاد مجالات للتفاهم الانساني توفق بين الشخصية الحضارية والثقافية للمجموعات البشرية وبين الجوامع المشتركة بينها على المستوى العالمي.
إن هذه الرؤية تنسجم مع الرؤية الاسلامية للعولمة التي تقوم على مبدأ "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" وعلى مبدأ "وتعاونوا على البر والتقوى".
إننا نرى أن من غير الواقعي ومن غير الصحيح والمنطقي مواجهة العولمة بالانغلاق,أو برفض كل شيء أو بالعودة الى النص من دون وعي.ان علم الشريعة هو علم الفقه الذي هوعلم الوعي,والفقه يعني تجاوز النص لابمعنى رفضه,بل بمعنى التعمق بفهمه عمودياً وأفقياً بما يستكشف المستقبل وبما يستجيب لضرورات الحاضر.
نعتقد أن الاساس في المواجهة يجب أن يرتكز على الامور التي سبقت الاشارة اليها.ونضيف الى ذلك انه لابد من تطوير عميق في مناهج التعليم وفي العلوم عندنا ابتداء من رياض الاطفال الى ارقى المستويات الجامعية,يجب تطوير نظام التعليم بما يتوافق مع حاجات الامة ومع الاندماج في الطبيعة ومع رؤية المستقبل,يجب أن نعيد تكوين علاقتنا مع الطبيعة.
وفي نفس الوقت يجب اعادة الاعتبار بكل قوة الى الاسرة وقيم الاسرة,والى بنى وقيم الاجتماع الاسلامي,الى اعطاء مفاهيم الحوار والمحلة والحرفة وكل الاطر التي انتظم فيها الاجتماع الاهلي العربي الاسلامي على مدى التاريخ,انطلاقاً من مبدأ الاخوة أو مبدأ التآخي الذي ارساه الاسلام في التعبير الاول من تعابير الاجتماع المديني في المدينة بعد الهجرة النبوية.
يجب اعادة الاعتبار الى هذه االقيم لاباعتبارها ثقافية نظرية,بل باعتبارها أساليب لتكوين الاجتماع الاسلامي العربي على الأسس الفكرية الاسلامية التي تنبع من نظام القيم الاسلامية العربية الذي تستهدفه تيارات الحداثة,بكل ماتحتوية من فردية وشهوانية حسية ومادية.
وفي ظل ذلك تعميق الوعي الروحي (روحنة الحياة وروحنة السلوك) في مقابل ماتقتضيه الحداثة من مادية ومن ذرائعية ونفعية,يجب أن تعمق في شخصية المسلم روح العبادة وروح الارتباط بالله – الروحنة – وهذه وظيفة العلم والتربية داخل الاسرة وداخل المدرسة وداخل مؤسسات المجتمع الاهلي.
ان القوة المعنوية الروحية التي أطلقت الحضارة الاسلامية العظمى في القرنين الثالث والرابع الهجريين,(هذه الحضارة التي يتجاهلها الغرب الآن),ان هذه القوة الروحية المعنوية العظمى نشأت من الاسلام وهو لايزال موجوداً ولايزال قادراً على أن ينطلق هذه الروح,اذا اندمجت فيه وتفاعلت معه شخصية الامة على مستوى أي شعب من شعوبها,فإنه قادر على أن يطلق الطاقة الكامنة في الروح الانسانية وفي العقل البشري ليبدع,بالمقاييس المعاصرة,مؤسسات ومنجزات حضارية تقوم على مبدأ (الروحنة) والاخلاق والقيم الانسانية.
ونعتقد ان احد اهداف مواقع القوة والسيطرة والتوجيه في العالم الغربي هو الحيلولة دون استعادة المسلمين للتقاعل الحي مع الاسلام باعتباره طاقة محركة عظمى لتكوين الانسان واطلاق طاقاته الحديثة.
ان دور الاسلام في اطلاق هذه الطاقة هو ليس دور الامر المادي المحرك لحوافز الانطلاق,بل انه دور العامل المعنوي الداخلي الذي يهيىء العقل والروح للابداع.
نتذكر هنا قول الله سبحانه وتعالى "ياايها الذين آمنوا استجيوا لله والرسول اذا دعاكم لما يحييكم" حيث ان المفسرين فهموا من ذلك الدعوة الى الايمان بالغيب الى العبادة,ونحن نفهم من الآية اوسع من ذلك بكثير,الدعوة هي لتجديد الروح وتجديد العقل والانفتاح على العالم واعتماد مبدأ التجديد واعتماد الروح العلمية والرؤية الموضوعية للذات وللانسان وللعالم.
والحمد لله رب العالمين.
المصدر :قضايا اسلامية معاصرة

(0) تعليقات
الصراع الحضاري والعلاقات الدولية

محمد حسين الحلو
الصراع الحضاري والعلاقات الدولية

تعاطى المؤلف في مقدمة الكتاب لغة الوعي الاسترجاعي بحق ما يسميها الاستعادات المنهجية التي برزت عند الغرب في فترة زمنية قياسية هي فترة ما بعد الحرب الباردة، والتي لا يراها أكثر من ممكنات غابرة ورجاءات خلاصية كان قد تم ابتكارها سابقاً في لحظات مماثلة أو في ظروف أخرى، فتم استحضارها وإعادة إنتاجها وتطوير خطابها وآليات نشرها وتوزيعها بما يتلاءم والظروف، ظروف الأزمة! المستجدة.
كل ذلك في محاولة منه لمحاكمة تلك التوليدات أو الاستفاقات الانطروبولوجية، التي يحصرها في أطروحات خلاصية أربعة هي: نهاية التاريخ لفوكوياما، وصدام الحضارات لهانتغتون، ومشروع العولمة الكونية.
والطريق الثالث الذي يبدو أنه محاولة تلفيقية بين اليسار واليمين في وقت اختلطت، في الغرب، وتشابكت الايديولوجيات الاشتراكية والرأسمالية حتى خفّت الفواصل بينها وضاعت ملامحها، أو معظمها بالأقل، فصار اليميني في السلطة اشتراكياً واليساري رأسمالياً.
وعلى ساس من هذا جاء هذا الكتاب محاولة لتكثيف عقد من البحث والمتابعة في موضوع الصراع الحضاري والعلاقات الصراعية أو التقاطعية أو التفاعلية بين المشروعين الحضاريين: المادي والإلهي، وذلك من خلال النظر إليهما بالمنهج الحضاري، الذي يتراءى للمؤلف ان استعادته في قراءة العمران البشري وظواهره أهم الاستعادات الأربع المتقدمة.
الصراع الحضاري بين فوكوياما وهانتنغتون:
في بيئة مشحونة بالأفكار والمعلومات وتحولات تفوّق عامل الزمن على عامل المكان وتقدم العلم على الجغرافيا، يتأكد الحديث عن العلاقات المفترضة بين الحضارات في هذا العالم، التي لا زالت تحتفظ لنفسها بمقومات البقاء والاستعداد للنمو والنهوض.
وتبدو وجاهة مثل هذا الحديث بعدما دأب مفكرو الغرب على استعادة طرح سؤال كبير مركب من أسئلة تفصيلية عقب كل تحول استراتيجي يبدو فيه العالم متجهاً نحو مرحلة جديدة. السؤال هو: ما هي طبيعة الصراع بين الأمم والشعوب؟ وهو ولاد كل تحول شمولي.
في هذا المناخ القلق ولشدة الغموض المحيط باحتمالات تطور العلاقات الدولية المقبلة وبالتالي بصيرورة العالم المضطرب، وقد خرج الاسلام من القمقم شاهراً مشروعه في كل اتجاه وبلغات ممانعة متعددة، واستفاقت قوميات جريحة فبدت وكأنها تنطق بخطاب خُيّل إلى العالم أنه قد دفن تحت ركام الخصوصيات والفوارق التي اجتاحتها حمى الدعوات الكوسموبوليتية والعولمية.. في هذا المناخ يُسترجع ذلك السؤال الكبير بتداعياته المعقدة.
في هذا الفصل يحاول المؤلف التعرض لمقولتين شكلتا العصب الأساس في مكونات الظاهرة الأمريكية، التي شكّلت أحدث تطوير لمفاهيم التطور التأريخي والفكر السياسي وفلسفة التأريخ في الغرب بشتى تداعياتها، أريد لهما ـ هاتين المقولتين ـ أن تكونا جواباً عن السؤال أعلاه، معتقداً ـ المؤلف ـ بأن كل الإجابات التي قدمها العقل الغربي عن السؤال حتى الآن لما تؤد إلى فهم مقنع بحقيقة الصراع بين الأمم والشعوب، هل هو ديني أم أثني أم ايديولوجي أم اقتصادي أم سياسي أم خليط مركب من هذا وذاك؟ الأمر الذي يدع مجالاً عريضاً ـ والكلام له ـ للشك في قدرة العقل الغربي على تقديم فهم حقيقي لحاضر العالم وعلى استشراف مستقبله، وبالتالي ثبوت عجزه عن فهم الانسان والتأريخ والتطور التأريخي وشروط قيام عالم متوازن ومتكامل وآمن.
هاتان المقولتان اللتان تحاولان تقديم رؤية في تفسير حركة التحولات التي تجتاح العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وصياغة منظور في العلاقة بين الحضارات ـ وفق التصور الأمريكي ـ تنتميان إلى نوع المقولات التي مزجت بين السياسة والثقافة في تكوين بنيتها الداخلية وفي نظرتها للعالم الخارجي. وهما مقولتا: (نهاية التأريخ والانسان الاخير) وهي محاولة المفكر السياسي الأمريكي (فوكوياما)، الذاهبة إلى أن الديمراطية الليبرالية.. تشكل فعلاً منتهى التطور الايديولوجي للانسانية، والشكل النهائي لأي حكم انساني، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مما يعني نهاية التأريخ بتحقق الانتصار الشامل للنموذج الحضاري الغربي كخيار وحيد لمستقبل الانسانية، إذ سوف لا يبقى في نهاية التأريخ أي منافس حقيقي للديمقراطية الليبرالية.. جازماً بأن الدين ـ بدوره ـ لن ينشئ بذاته مجتمعات حرة، وبأن المسلمين في المدى المنظور لن يتمكوا من نمافسة الديمقراطية الليبرالية في عقر دارها في مجال الأفكار.
إن مقولة فوكوياما، بالمحصلة، وهي تقرأ الواقع الجيوسياسي في العالم اليوم، وهو واقع متهافت وقلق لا يضمن التحليل العاقل استمراره وديمومته، إنما تعيد تظهير مشهد العلاقات الدولية بمعادلاتها وارتجاجاتها الحالية، باعتباره قدراً نهائياً يرتسم فيه العالم المابعد تأريخي بدوله الديمقراطية القائمة (الشمال) ودولة الممكنة في المستقبل، واحة سلام مستقر. بينما يرزح العالم التأريخي (دول الجنوب) في فوضى التدافع والقتال والصراع وتحتشد بين العالمين ـ وبالمنطق التيموسي الفوكويامي نفسه ـ قابليات انفجار الحروب وعواملها. فكيف للتاريخ أن ينتهي وللعالم أن يستقر ويهدأ، وسيوف الصراع وأسبابه مسلطة فوق رؤوس البشر، في ظل غلبة معادلات الظلم والهيمنة وايديولوجيا البقاء للأقوى، وتشريع إخضاع الآخر بكل الوسائل المتاحة؟
ثم ان المتمعن في العلاقة الجدلية التي يرسمها فوكوياما بين السياسة ومكونات الهوية الثقافية الأخرى يجد أن السياسي عنده يكاد يبتلع كل شيء، ويحتويه بما في ذلك الفكر والدين والانتماء القومي وخصوصيات الهوية الثقافية، إلى درجة باتت فيها الثقافة شرطاً ممكناً لقيام الديمقراطية، لا شرطاً حقيقياً وضرورياً.
هكذا وبهذه الاسقاطات المتجزئة التي انتزعها فوكوياما ـ يقول سمير سليمان ـ من رماد جمهورية أفلاطون.. ومن مفهوم الدولة والتحقق التأريخي الهيغليين.. اللذين أحرق هيكلهما بثقاب انتقائيته، يقرر فوكوياما ان الديمقراطية.. هي ابتداع نخبوي انقلابي من الدرجة الأولى، حققه دهاقنة السياسة، وليس للشعوب فيه إلا دور الرعايا الذين يصادقون على قرار النخبة، أو بمعنى أدق ـ يُذعنون له. وحتى ثقافات الشعوب (المصنعة ديمقراطياً) يختزنها فوكوياما إلى (ميولات غامضة) تُشطب من عل أو تمحى بحبر سياسي.
(ان مقولة فوكوياما، بأبعادها المركبة المنوه بها هي مقولة إلغائية استكبارية حضارياً وسياسياً، تصدق بلا ريب عن رؤية فلسفية حضارية هي في قلب المشروع الحضاري المادي المعنون اليوم بالغرب).
المقولة الأخرى، التي استقطبت اشتغالات على نطاق علمي واسع في ميادين الثقافة والسياسة والاقتصاد والإعلام وهكذا في ميادين الفلسفة وعلم الأديان والتاريخ. الاشتغالات التي أكدت الطابع الجدلي لهذه المقولة ولما لها من حساسية وتوجس، هي مقولة (صدام الحضارات) وهي محاولة المفكر السياسي الأمريكي (صامويل هانتغتون) القائلة بـ: (ان المصدر الأساسي للنزاعات في العالم الجديد لن يكون مصدراً آيديولوجياً أو اقتصادياً في المحل الأول. فالانقسامات الكبرى بين البشر ستكون ثقافية.. وستظل الدول/ الأمم هي أقوى اللاعبين في الشؤون الدولية، لكن النزاعات الأساسية في السياسات العالمية ستحدث بين أمم ومجموعات لها حضارات مختلفة، وسيسيطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية، ذلك أن الخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون هي خطوط المعارك في المستقبل).
وبعد أن يحدد هانتغتون مفهومه لمصطلح (الحضارة) ينتقل إلى رسم الشكل العام لخارطة الحدود الحضارية في العالم المعاصر، حيث يرى أن (خطوط الفصل) بين الحضارات ستكون نقاطاًحساسة وستكون عاملاً لظهور الصراعات المستقبلية، وتُعد البديل لحدود الايديولوجية السياسية الخاصة بفترة الحرب الباردة، ويسعى الكاتب في دراسته إلى إفهام رجال السياسة في أميركا والغرب بأن مصدر الصراع المستقبلي سيكون بين الحضارة الغربية من جهة واتحاد المجتمعات الكونفوشيوسية في شرق آسيا والعالم الاسلامي من جهة أخرى، ويعتقد ان الصراعات الحضارية هي آخر مرحلة من مراحل تكامل الصراع في العالم.
ثم في ضوء هذه التضاريس والحدود التي احتفرها هانتغتون يحاول المؤلف أن يخرج بملاحظتين منهجيتين، قوام الأولى: خطورة اعتبار الأديان ـ وفق ما ينتهي إليه هانتغتون ـ مجرد مشاريع نزاعات وحروب.. ناهيك أن تأويله مؤد حتماً إلى إثارة الأديان وتحريضها بعضاً ضد بعض.
أما قوام الأخرى فهو عدم الدقة في المطابقة بين مفهوم الحضارة الذي اعتمده هانتغتون وبين الحدود التي اختطها على أساسه. وهما في الحقيقة جزء من مجموع مؤاخذات نقدية أوردت على هذه المقولة، إذ يمكن الاشارة هنا إلى ملاحظات (برجنسكي) الذي يقبل من حيث المبدأ استبدال الصراع الغربي ـ الشيوعي، بالصراع الغربي ـ الاسلامي، إلا أنه ينكر على هانتغتون عدم اهتمامه بتفتت الفكر الغربي وتآكله داخلياً.
كذلك من المؤاخذات المهمة التي وجهت لنظرية (صدام الحضارات) هي ما كتبه الدكتور فؤاد عجمي، الذي يستغرب من هانتغتون تجاهله دور الدول في تحقيق مصالحها القومية، مع أن (الدولة) لا تزال أقوى العوامل على مسرح القضايا العالمية، فهو ينظر أولاً لسيطرة الدول على الحضارات وثانياً لضعف العامل الحضاري.
فوكوياما وهانتغتون وجهان لعملة واحدة:
بعد القراءة التفكيكية والتركيبية لمقولتي فوكوياما وهانتغتون يخلص المؤلف إلى القول بأنهما لم تفلحا في انتاج نظرية متماسكة ومقنعة تميط الحجب عن تلك الحقيقة الإشكالية، المتمثلة في السؤال المنهجي الشمولي المتعلق بحقيقة الصراع بين الدول والجماعات الانسانية، كونهما جاءتا محكومتين برد فعل (مشروع) على تحول استراتيجي (مفاجئ). تمثل بانهيار المنظومة الماركسية، وانتهاء مرحلة الحرب الباردة، فكان طبيعياً أن يسارع العقل الغربي في محاولة ملء الفراغ الايديولوجي الذي طرأ على أثر التهافت (الظاهري) للأدبيات السجالية التي كانت تزخر بها حمى الوطيس بين الجبارين تحت ضغط هذا الواقع ا لمستجد جرى استيلاد المحاولتين اللتين لم تشكلا سوى مراكمة لتأريخ التعثر الفكري في الغرب.
الاستعادة الصحيحة للمنهج الحضاري الاسلامي في قراءة التأريخ:
يرى المؤلف امكانية القول أن المنهج الحضاري في تفسير التأريخ المعاد اكتشافه في آخر الاضافات الفكرية الأمريكية وخصوصاً على يد صامويل هانتغتون، وبالرغم من الأخطاء الفظة والاستخلاصات الناشزة التي ارتمى في بحرانها، هو المنهج الأصلح بالمنظور الاسلامي، وبمعاييره الدقيقة أيضاً.
يبقى أن نشير إلى اعتقاده: بأن العودة العملاقة للاسلام إلى الواجهة السياسية والمعرفية الدولية لم تكن لتتبوأ ذلك الموقع الانبعاثي المتقدم لولا ثورة الإمام الخميني وشعبه بالمشروع الحضاري للاسلام وانطلاقاً منه.
- الإمام الخميني والصراع الحضاري:
قد لا نكون مبالغين إن قلنا ان مصطلح ـ مفهوم (الصراع) هو أحد أبرز المصطلحات ـ المفاهيم السجالية التي طفت على سطح النقاش المحتدم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك مفاصل الخصم التأريخي لليبرالية الديمقراطية.
على هذا الأساس يحاول أن يقدم المؤلف رؤية الاسلام ـ بالإمام الخميني ـ عن طبيعة الصراع (بين الأمم والشعوب أو بعبارة بين الدول)، حيث يحدده وفق هذه الرؤية بأنه: لا يعني إعلان الحروب واستخدام العنف بالضرورة، بل هو الجهاد العمودي الارتقائي الذي يرتفع بالانسان والجماعة إلى مرتبة تدرجية أعلى هي في ذاتها سمو أكثر اقتراباً من الهدف النهائي المطلق.. انه الصراع/ الجهاد التراكمي باتجاه الكمال.
ثم انه طبقاً لما بناه سابقاً من انحصار المفهوم الحضاري باثنتين من الحضارات ـ المادية والإلهية ـ ينوّه إلى استخدام الإمام الخميني مصطلح الطريق، من مجموع مصطلحات متقاربة حتى حدود الترادف، للاشارة إلى كل من هاتين الحضارتين المؤسستين قرآنياً على قيمتين مطلقتي الدلالة أي: كل حق وكل باطل، وقرن كلاً منهما بوجهة قرآنية مطلقة أيضاً، عندما سمى الأولى: (الطريق إلى الله) وسمى الثانية (طريق الطاغوت).
السنن في الصراع الحضاري بالمعايير الاسلامية:
يتطرق مؤلف الكتاب في هذا الفصل الذي اتخذ من (المناشيت) أعلاه عنواناً له، إلى أهم المميزات وأبرز المواصفات التي يتسم بها المشروع الحضاري الاسلامي والتي منها:
أزلية الصراع: المتحققة وفق القراءة التي ترى في الصراع الحضاري سنة ـ قانون من السنن ـ القوانين التأريخية ـ الاجتماعية التي لا تستطيع صيغ الحياة الخرودج على حتميتها أو ديمومتها، حيث يعتبرها الشهيد محمد باقر الصدر (ره) ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم ما يميز القانون العلمي ـ كما يقول ـ عن بقية المعادلات والفروض هو الاطراد والتتابع وعدم التخلف.
وبهذا المعنى، فان الصراع الحضاري أزلي يتحلى بكل شروط الديمومة، من هنا جاء قول الإمام الخميني ـ بالاسلام ـ : (ان صراعح ضارة الحق/ طريق الحق ضد النزوع الحضاري المادي، هو صراع أزلي مستمر منذ آدم إلى نهاية الحياة).
في التغير والتحول التأريخيين:
ان الصراع الحضاري يهدي المعايير السننية الإلهية/ الثوابت.. محكوم بنمط آخر من المعايير في تصور الحضارة التوحيدية لمسار التحولات والتغيرات التأريخية التي لطالما تضاربت في تفسيرها التجريبية الفكرية المادية، فالذي يُنشئ تلك التحولات والتغيرات في الأصل، وعلىم ستوى نظام الحياة والوجود، هو المشيئة الإلهية، غير ان هذه المشيئة لا تتدخل في تثبيت فعل التغيير والتحول إلا بعدما يغير الناس/ الجماعة/ اقوم ما بأنفسهم. قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ثم إن هذا التغيير من الداخل ليس خصيصة منهجية اسلامية في الصراع الحضاري وحسب، بل هو أيضاً فعل مقاومة لا تنقطع لسلبيات المشروع الحضاري المادي، وهو بذل ممانعة دائمة داخل النفس، وفي الجماعة المواجهة محاولات الاختراق التي لابد من أن تتعرض لها الذات المؤمنة بعنوان الأهواء، وصنوف الاغراءات الفردية والجمعية المؤدية إلى تهافت الأمة وسقوطها، ومعها يتهاوى المشروع الحضاري الذي اختارت الانتماء إليه من خلال تداعي مصاديقه.
الصراع الاحيائي:
يعقد المؤلف هذا الفصل لتفكيك رموز مصطلحي الصراع والحوار، على خلفية الغموض والالتباس الذي يكتنفهما، وفق التصور الاسلامي، منطلقاً من قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..) في تحديد معنى الصراع الذي يرى في هذا الاحياء/ الدعوة للانتصار على السكونية والموت المعنويين.. دعوة مشروعة للانضاء في الصراع الحضاري الأزلي إن لم يكن هو فعل الصراع بعينه.
ثم يعقب على ضرورة توطيد التعاون والتخفيف من حدة حوافز الاختلاف، وتذليل عقبات التفاهم إلى الحد الأقصى الممكن وذلك عبر المشروع الذي ارتسم بعنوان الحوار بين الحضارات الذي يبصره باعتباره القطب الأول في ثنائية جدلية يشكل مشروع الهوية الكونية الواحدة الناهدة إلى وأد الهويات المحلية الموقعية أو ما عُرف بالعولمة، القطب الآخر لها.
وفي طريق إرساء دعائم القطب الول يرى شرطية احداث تحول مبدئي في العلاقات الدولية بنسقها التدميري الرائج والقائم على ما يسمى (لعبة المصالح) ـ أو ادارة الأزمة في كوكب الفقراء حسب أحد المفكرين الاسلاميين ـ والبراغماتية المادية العمياء، وذلك باتجاه بناء علاقات راسخة بين الدول بوجهة جديدة ومضمون جديد يقومان على المساواة بين الدول في الحق والسيادة وفي الواجبات وفي تنمية علاقات الصداقة والتعاون بما يضمن الأمن والسلم الدوليين، وعلى أساس الاحترام المتبادل واللجوء الى الطرق السلمية لفض النزاعات وضمان الحق بالتنافس البنّاء والتمايز النقدي الحر.
ثم إنه يعتقد ان الإمام الخميني (رض) مثّل التجسيد العيني للنموذج غير الطوباوي للعلاقات الدولية بمعاييرها الاسلامية، عندما قرر للسياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية الايرانية أن ترفض المساومة على المبادئ الاسلامية التي قامت عليها تلك السياسة.
رافضاً ـ المؤلف ـ الدعوى التي ترى في نظرة الإمام إلى العلاقات الدولية والصراع الدولي، محكومة بالمنهج الفلسفي المثالي المنطلق من مقدمات عقيدية أو ميتافيزيقية ثابتة، والمنطلق مما يجب أن يكون لا مما هو كائن، وذلك قبالة (المنهج الواقعي المعاصر) علىط ريقة هانس مورنمانثو.. إذا كان ذلك يحلو لهم، فإن تطبيق الإمام عملياً لتصوره الاسلامي للعلاقات الدولية ومبادئ حمايته فعل الصراع الدولي، خير دليل على أن الإمام قد زاوج بين ما ينبغي له أن يكون وبين ما هو كائن، مقدماً من خلال ذلك أفضل مثال على اقتران النظرية بالممارسة في المشروع الحضاري الاسلامي والشريعة التي يعتد بها.
المصدر :مجلة التوحيد/العدد107/السنة2001

(0) تعليقات
علم الجغرافيا

علم الجغرافيا
'
الجغرافيا هو علم يدرس الأرض والظواهر الطبيعية والبشرية عليها و يعود أصل الكلمة إلى اللغة الإغريقية، ترجمتها بالعربية وصف الأرض.

فلفظ الجغرافيا Geography لفظ إغريقي هو في الأصل geographica، مؤلف من شقين: أولها Geo ويعني الأرض، وثانيهما Graphica ويعني الوصف أو الصورة.

وعلى هذا الأساس فالجغرافيا هي "وصف الأرض " و قد كانت كذلك في بدايتها حيث كان الرحالة يصفون و يسجلون مشاهداتهم عن البلاد و الأقاليم التي يزورونها.

وكلمة الجغرافية في اللغة العربية تعتبر حديثة بعض الشئ، حيث كان العرب والمسلمين يستعملون صورة الأرض أو قطع الأرض أو خريطة العالم والأقاليم أو المسالك والممالك أو تقويم البلدان أو علم الطرق.

وقد أطلق العرب على الجغرافيا علم تقويم البلدان أي وصف البلدان لأن الرحالة العرب والمسلمين من مثل ابن جبير و
ابن بطوطة وياقوت الحموي كانوا يصفون كل ما يشاهدون في أسفارهم، ولكن بعضهم كالإدريسي اهتم برسم الخرائط ا
التي ظلت مرجعاً للعالم فترة طويلة من الزمن.
تطورت الجغرافيا في الوقت الحاضر وبدأت تؤدي دوراً فاعلاً في حياتنا المعاصرة، فلم يعد يقتصر دور علم الجغرافيا
على وصف الظواهر الطبيعية و البشرية لسطح الأرض من مثل الجبال و السهول وعدد السكان وحرفهم وإظهار
العلاقات المتبادلة بين البيئة و نشاط الإنسان بل اتسع مجالها اليوم ليتضمن دراسة الحلول للقضايا والمشكلات البيئية
المعاصرة ومن بينها مشكلات التلوث المائي والهوائي و التصحر وانجراف التربة و غيرها.
تسهم الجغرافيا بشكل كبير في عمليات خطط التنمية الشاملة فالجغرافي يشارك في التخطيط لمجالات التنمية المتنوعة
من مثل تخطيط المدن وتطورها والتخطيط لمشروعات النقل والمواصلات والتخطيط للاستفادة من الموارد الزراعية
والصناعية والمائية والسياحية.

اتفق على تقسيم علم الجغرافيا عبر العصور إلى الأقسام التالية وهي:

الجغرافيا الطبيعية وهي التي تهتم بدراسة طبيعة الأرض من حيث البنية الجيولوجية والظواهر الجوية و النبات و الحيوان الطبيعي أو البري. ومنها أيضاًالجغرافيا الفلكية وتهتم بدراسة شكل الأرض وحجمها وحركتها وكرويتها وعلاقاتها بالكواكب الأخرى.
الجغرافيا البشرية و تنقسم إلى جغرافية السكان و الجغرافيا الاقتصادية و الجغرافيا السياسية وتبحث في أقطار الأرض وحدودها السياسية ومشكلاتها وسكانها
الخرائط: و هو علم يهتم بالخرائط و طرق إنشاءها
و أخيراً انضم فرع جديد هو نظم المعلومات الجغرافية و الاستشعار عن بعد.

أهمية علم الجغرافيا
إن الجغرافيا لم تعد ذلك العلم الذي يهتم بوصف الظواهر وصفا سطحيا بعيدا عن الواقع بل أصبحت ذلك التخصص الذي يتماشى والتطور العلمي الحديث المعتمد على التحليل والقياس والربط واستخدام النماذج والنظريات الحديثة وبذلك صارت في الاتجاه التطبيقي الذي يعرف اليوم بالجغرافيا الكمية والجغرافيا التطبيقية التي ترفض أن تستمر بعيدا عن الإنشغالات الكبرى للإنسان وذلك لما تمتاز به الجغرافيا من قدرة على التأقلم مع مختلف العلوم فهي تمثل همزة وصل متينة بين هذه العلوم وهي تسخرها جميعا لخدمتها وتأخذ منها ما يخدمها ويميزها عن غيرها وقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات كبيرة في المنهج الجغرافي والمحتوى العلمي وكذلك في الأساليب التي يعتمد عليها في تحقيق الأهداف والأغراض ، ولعل من أسباب هذه التحولات أيضا ما طرأ على المحتوى البشري من تطور كبير حيث اصبح الجغرافيون يعالجون مواضيع لم تكن بالأمس معروفة حتى وكأن المتتبع لأعمال الجغرافيين يلمس ذلك الاهتمام المتزايد بالتركيز على دراسة الظواهر والمواضيع الطبيعية والبشرية المختلفة بطريقة تختلف عما كانت عليه في الماضي بفضل استخدامهم للوسائل الكمية المتقدمة في أبحاثهم استعانة بالإحصاء والإعلام الآلي والرياضيات والنماذج والهندسة والطبيعة والكيمياء ، وكان لذلك التطور في استخدام مثل هذه الوسائل نتائج هامة أسفرت عن دفع عجلة الجغرافيا وجعلها علما يتماشى وعصر التكنولوجيا ،حتى أطلق البعض على هذا التحول في استخدام الوسائل والمناهج مصطلح ( الثورة الكمية في الجغرافيا ) ، وهذه الثورة لقيت ترحيبا كبيرا من الجغرافيين لأن للمنهج الكمي مزاياه كثيرة ولعلى أبرزها و أهمها أن النتائج التي يمكن التوصل إليها تكون اكثر دقة بفضل التحليل العلمي لتسلسل الأحداث وهذا التحليل العلمي الجغرافي يبرز النظم التي أثرت في وجود الظواهر المختلفة التي يتعرض لها الجغرافي بالدراسة ، فهو لا يكتفي بالوصف بقدر ما يعتمد على الأسباب التي أنشأت هذه الظواهر.

==
مجالات البحث الجغرافي == حتى تكون الجغرافيا قادرة على تشخيص المشاكل التي تنحصر في إقليم ما، فإنها تقوم بتحديد المجال ، وتشرح العلاقات القائمة بين مختلف العناصر الطبيعية والبشرية مهما تداخلت فيما بينها. و نتيجة لذلك تعتبر الجغرافيا ذات خاصية متميزة إذ نجدها تضع قدما في العلوم الطبيعية وقدما في العلوم البشرية. فإذا كانت التصنيفات الحديثة لمواقع العلوم المختلفة قد تمت سنة 1972 و قسمتها إلي ثلاث فئات هي: العلوم التحليلية التجريبية ، والعلوم التفسيرية التأويلية والعلوم النقدية فالجغرافيا من بين العلوم التي تمتلك خواص كل هذه الفئات . فدراسة المجال الجغرافي تؤكد وجود مكونات كثيرة طبيعية وبشرية مترابطة تتميز بتفاعلات كثيرة تحصل بين هذه المكونات . وهو ما يجعل دور عالم الجغرافيا فيها حساسا ومهما ولذلك نجد دراسة المجال الجغرافي لا تقتصر على موضوع في حد ذاته أو على ظاهرة دون الأخرى و مع أن المجال الجغرافي يشمل كل الظواهر مجتمعة، فإن دراسة هذه الظواهر تبحث منفصلة مع قياس درجات التفاعل والتعليل والتحليل دون إهمال أي عنصر من عناصر المجال . و نظرا لأهمية المجال الجغرافي أقرت اليونسكو منهجية تدريسه في أوربا على تلامذة المستوى الابتدائي في حالته التطبيقية اعتمادا على فهم أو إدراك خمسة أسئلة كما هو موضح فيما يلي: المجال المنتج: إن مجرد اقتراحنا للتلاميذ الاستفسار عن الخطوات التي تتعلق بمفهوم المجال المنتج يعتبر مسلكا نحو إدراك الواقع أي الانتباه إلى أن كل مجال ما هو إلا حالة من أحوال الحركية (أي أنه في حالة إنتاج) وبالتالي هو نتاج لقرارات بشرية (تأثير التدخل البشري).


مدخل الي علم الجغرافيا
يهتم علم الجغرافيا بدراسة مظاهر سطح الأرض و تقوم على أساس الموقع و الموضع و الامتداد. كما تعني الجغرافيا أيضا بدراسة أشكال الأنظمة الموجودة على سطح الأرض و العلاقات الرابطة بين الظواهر المختلفة.


الجغرافيا العامة و الجغرافيا الإقليمية في المنظور التقليدي
تتنوع الجغرافيا في المواضيع التي تدرسها و الطرق التي تنتهجها. تدرس الجغرافيا جميع المظاهر التي يتصف بها سطح الأرض طبيعية كانت أم بشرية وتنقسم إلى شعبتين أساسيتين متكاملتين اختلافهما قائم على تباين طرق المعالجة و المنهجية. الشعبة الأولى ممثلة في الجغرافيا العامة بكل أنواعها الطبيعية و البشرية و الاقتصادية...الخ و الثانية هي الجغرافيا الإقليمية. الاختلاف بينهما هو أن الأولى تدرس الأنماط و تبحث عن القوانين المتحكمة فيها في حين أن الثانية تعتني بإبراز المميزات التي ينفرد بها كل منظر و كل مركب إقليمي. تحلل الجغرافيا العامة العلاقات و الارتباطات لأنها تضع كل عنصر في قالبه العام خلال الدراسة, غير أنها لا تقارن أي ظاهرة إلا بظاهرة مماثلة لها تذكر تحت نفس العنوان, بينما تختص الجغرافيا الإقليمية بالبحث عن العلاقات و الارتباطات التي تصل بين الظواهر القائمة في الإقليم الواحد و تقارن بينها رغم التباين في طبيعتها و أنماطها و يكون هذا لإبراز الانفراد الذي يتميز به الإقليم مع الأقاليم الأخرى. الجغرافيا الإقليمية هي البحث التركيبي لقطعة من مجال الأرض, و مهمتها ليست بوضع كشف عام لمكونات هذه القطعة بل مهمتها هي البحث عن الطريقة التي نظم بها هذا المجال و كيفية استغلال الإنسان له. الإقليم : يطلق اسم إقليم على مجال من الأرض ينفرد ببعض المزايا و المقومات تجعله وحدة متكاملة و تميزه عما يجاوره من مجالات و يمتد بنفس الدرجة التي تمتد بها هذه الخصائص و هذه المميزات مع العلم أن مفهوم الإقليم نسبي و اجتهادي إن لم نقل ذاتي. نسبي إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه لا يوجد على سطح الأرض منطقة تتشابه في كل مقوماتها مع منطقة أخرى مهما صغر حجمها و اجتهادي ذلك لأن الفرد هو الذي يقوم شخصيا بتحديد الإقليم عادة حسب ما يتراءى له من خصائص يقوم عليها هذا التحديد و بقدر تنوع الأسس التحديدية بقدر تنوع الأقاليم نفسها. تتغير الأسس التحديدية إما حسب المكان أو الهدف المرسوم للتحديد الإقليمي إذا وضع التحديد من أجل استغلاله في تصميم مخطط تنمية مثلا فعناصر الاستقطاب المدني أو درجة التطور الاقتصادي أو التقسيم الإداري الذي سيكون الإطار التنفيذي للمخطط هي التي ستتحكم في تعريف الإقليم و كذلك يلعب اتساع الفضاء المدروس دورا هاما في تحديد نظرة الباحث إلى المقومات لأن المقياس المستعمل في وضع البحث يختلف مع اختلاف درجة الاتساع فتدرس الوحدات الشاسعة بمقياس صغير و الوحدات الضيقة بمقياس كبير و الأمر الذي يكون هاما في المقياس الكبير قد لا يصبح كذلك إذا صغر المقياس. فالمقومات التي يستعملها الدارس في تحديد الدراسة الإقليمية لا تتغير مع تغير طبيعة الشيء فقط بل كذلك حسب زاوية النظر التي يختارها و مقياس الدراسة الذي يضعه. و ذكرنا في التعريف أن حدود الإقليم خاضعة للمضمون الذي تحتوي عليه فيجب إذا تحليل هذا المضمون أولا حتى يسهل توقيع حدودا دقيقة تبعا لعناصر الاختلاف أو التشابه. يمكن لكلمة إقليم أن تشير إلى مركب متجانس تكون فيه العلاقات بين مختلف العناصر المكونة له واحدة أو تشير إلى مجموعة من مركبات متجانسة صغيرة تكون الفروق بينها داخل المجموعة أقل من تلك التي تفصلها عما حولها فتكون إقليما متميزا له صبغة إجمالية واحدة تبرزه وسط مجموعات أخرى. و يمكن للإقليم أيضا أن يكون مجموعة منظمة تحت تحكم مركز عمراني يجمع بين وحداتها حتى و لو اختلفت اختلافا كبيرا. الإقليم إذا عبارة عن مركب و دراسته تخضع للبحث التركيبي فيبدأ أولا بتحديد عناصر المركب ثم نوضح العلاقات الكامنة بين هذه العناصر أي أنه يجب الإطلاع على مقومات الإقليم واحدة واحدة ثم إدراك كيفية تأثير كل منها على الأخر. لنا بطريقة فريدة من نوعها كل ما يمكن لنا قوله حول الإقليم المدروس .

 

 

(0) تعليقات
العلاقات الدبلوماسية مع ملوك أوروبا وآثارها

العلاقات الدبلوماسية مع ملوك أوروبا وآثارها

1 ـ مع الدولة البيزنطية:
إذا تركنا مؤقتاً الغرب الأوروبي اللاتيني واتجهنا إلى الشرق الأوروبي البيزنطي الهلنستي (99)، نجد علاقات سياسية جديدة تقوم لأول مرة بين قرطبة والقسطنطينية وتستمر طوال القرنين الثالث والرابع من الهجرة (9، 10م) ولا شك إن هذه السياسة الودية التقربية بين بيزنطة والأندلس، إن دلت على شيء فإنما تدل على المكانة الممتازة التي حظيت بها اسبانا الإسلامية في أوربا المسيحية، كما تدل ضمناً على أن كلاً من العالمين الإسلامي والمسيحي، قد بدأ يخرج عن تقاليده القديمة تحت تأثير مصالحه الخاصة التي أصبحت هي المتحكمة في سياسته وليست الاعتبارات الدينية كما كان الحال من قبل.
وتبدأ هذه العلاقات بمبادرة الامبراطور يتوفيل حينما أرسل سفارة إلى عاهل الأندلس عبدالرحمان الثاني سنة 225هـ (840م). وكان على رأس تلك السفارة رجل يوناني يجيد اللغة العربية اسمه قرطيوس. كما أرسل معه هدايا فاخرة ورسالة يخطب فيها وده ويسأله عقد تحالف معه ضد العباسيين الذين قضوا على ملك أجداده الأمويين بالمشرق. كما يطلب أيضاً مساعدته ضد الأغالبة في صقلية وضد الربضيين في جزيرة كريت.
ولقد استقبل عبدالرحمان الرسل استقبالاً فخماً، وقبل ا لهدايا البيزنطية ورد عليها بمثلها، كما أوفد سفارة مماثلة إلى الامبراطور البيزنطي برئاسة الشاعر يحيى الغزال وكان رجلاً طويلاً عريضاً وسيم الوجه موفور النشاط ولهذا لقب بالغزال. وقد مدحه الأمير عبدالرحمن بقوله: ((جاء الغزال بحسنه وجماله)). وربما كانت هذه الصفات هي التي جعلت عبدالرحمان يختاره للسفارة بينه وبين الملوك كي يحسن وقعه على النفوس، ولما وصلت السفارة الأندلسية إلى القسطنطينية صحبه السفير البيزنطي عن طريق البحر، استقبلها الامبراطور البزنطي تيوفيل بالحفاوة والترحاب وتسلم منها هدية العاهل الأندلسي ورسالته التي يرد فيها على خطابه.
والرسالة أوردها ابن حيان في كتابه (المقتبس) وهي رسالة طويلة في مجموعها وعباراتها معسولة جميلة، ولكننا لا نخرج منها بشيء إيجابي فعال، بمعنى أن عبدالرحمان في هذه الرسالة، لم يأخذ على نفسه أي تعهد حربي يقوم به ضد أعدائه سواء في الحاضر أو المستقبل، فهم الامبراطور سخطه على العباسيين ويرجو من الله أن يقطع دابرهم. وكذلك الربضيون في كريت فهو يتبرأ منهم لأنهم خرجوا عن طاعته ويترك للامبراطور حرية معاقبتهم. أما الأغالبة فهو يعتذر عن محاربتهم لأنهم يجاهدون في سبيل نصرة الإسلام.
وبعد أن أدت السفارة الأندلسية مهمتها عادت إلى قرطبة عن طريق البحر أيضاً. وقد دون يحيى الغزال مشاهداته في العاصمة البيزنطية، وأحاديثه مع الامبراطورة بتودورا وولي العهد ميشيل .. الخ، وقد نقل ابن حبان هذا الوصف في كتابه المقتبس.
وتعتبر هذه العلاقات الدبلوماسية التي قامت لأول مرة بي قرطبة والقسطنطينية، بداية لسلسلة من الاتصالات والسفارات التي تبودلت بعد ذلك يبن الخليفة عبدالرحمان الناصر، والامبراطور قسطنطين السابع، وبين الخليفة الحكم المستنصر وينقفور فوكاس، وبين الحاجب المنصور أبي عامر والامبراطور بازيل الثاني (976 ـ 1025م) الذي يعتبر عصره الطويل من أزهر عصور هذه الأسر المقدونية الحاكمة.
على أن موضع الأهمية هو أن هذا الاتصال السياسي قد صحبه أيضاً اتصال حضاري فالسفارة التي أرسلها قسطنطين السابع إلى خليفة الأندلس عبدالرحمان الناصر 337هـ (948م) حملت معها من جملة الهدايا نسخة خطية من الكتاب اليوناني المشهور: ((الأدوية المفردة)) الملقب بكتاب الحشائش والذي ألفه ديوسقوريدس، وهو طبيب وعشاب يوناني عاش في القرن الأول الميلادي وولد في بلدة عين زربة قرب طرسوس جنوب آسيا الصغرى ولهذا تسمى في الكتب الأوربية
Dioscorides Anzarbio.
وهذا الكتاب سبق أن ترجم إلى العربية قل ذلك الوقت بنحو قرن من الزمان في مدينة بغداد على عهد الخليفة المتوكل العباسي (232 ـ 247هـ) . غير أن المترجم له واسمه اصطفى بن باسيل، لم يترجم إلى العربية سوى جزء من أسماء الأدوية لعدم معرفته بما يقابل اليونانية فيها. ولهذا ظلت أسماء باقي العقاقير الطبية على صورتها اليونانية بحروف عربية.
وهنا يأتي دور الأندلس في سد هذا النقص وترجمة المزيد من أسماء هذه الأدوية والنباتات الطبية من اليونانية إلى العربية. فيروى المؤرخون أن الخلفة عبدالرحمان الناصر عندما تسلم نسخة هذا الكتاب سنة 337هـ شكل لجنة علمية لترجمته إلى العربية، وكان من بين أعضاء تلك اللجنة: طبيبه اليهودي المعروف حسداى بن شبروط وحمد النباتي، وعبدالرحمن بن الهيثم، وأبو عبدالله الصقلي، الذي كان يجيد اليونانية وله إلمام بتركيب العقاقير. كذلك بعث الخليفة الناصر إلى صديقه قسطنطين السابع كي يرسل إيه خبيراً يونانياً في هذا العمل، فأرسل إليه سنة 340هـ الراهب نيقولا الذي ساهم بدور فعال في إنجاز هذا العمل العلمي الكبير.
ولقد أثار ظهور هذه الترجمة الكاملة لكتاب ديوسقوريدس في الأندلس موجة من الحماس بين الأندلسيين الذين أقبلوا على دراسة الطب والنباتات الطبية متخذين من هذا الكتاب مصدراً رئيسياً لهم.
وإذا كانت السفارات التي تبودلت بين الخليفة عبدالرحمن الناصر والامبراطور قسطنطين السابع قد نتج عنها هذا اللقاء الحضاري المثمر الذي أسفر عن ترجمة كتاب ديسقوريدس إلى العربية وإقبال الأندلسيين على دراسته وشرحه مع إضافات عملية جديدة في مجال الطب والصيدلة طوال القرون التالية، فإن السفارات التي تبودلت بين البلدين في عهد ولده الحكم المستنصر (350 ـ 336هـ ) قد تمخضت عنها آثار فنية معمارية لها قيمتها. إذ يؤثر عن هذا الخليفة الأندلسي إنه طلب من العاهل البيزنطي نيقور فوكاس أن يرسل إليه خبيراً في صنع الفسيفساء كي يعمل على تزيين الزيادة المعمارية التي كان يزمع القيام بها في المسجد الأموي بقرطبة. هذا إلى جانب أعمدة الرخام التي سبق أن ساهمت بها القسطنطينية في بناء مدينة الزهرا على عهد والده وعددها مائة وأربعون سارية.
وكل هذا يدل بالطبع على تأثير أساتذة الفن البيزنطي في بعض مباني العاصمة الأموية.
2 ـ العلاقات الدبلوماسية مع ملوك الفرنجة في غرب أوروبا:
إن سياسة التقريب التي سلكتها الدولة الأموية في الأندلس نحو بيزنطة، كانت تصاحبها سياسة عدائية نحو جيرانها الكارولنجيين ي فرنسا وألمانيا، إذ لم ينس الأندلسيون صراعهم الطويل مع هؤلاء الفرنجة أيام شارل مارتل وابنه بيين وحفيده شرلمان (قادلة) الذي حاول غزو الأندلس في حملته الفاشلة على عهد الأمير عبدالرحمان الداخل صقر قريش، ثم جاء ولده لويس التقي (198 ـ 225 = 814 ـ 840م) فسار على سياسة آبائه العدائية نحو الأندلس وبسط حمايته على برشلونة والجزر الشرقية (البليار) القريبة منها. ورأى الأمير عبدالرحمان الأوسط (206 ـ 238 = 822 ـ 852م) أن البحر هو الميدان المناسب الذي يستطيع أن يعلو فيه على خصومه الفرنجة، إذ كان يعلم أن قوتهم الحقيقية تعتمد أساساً على قواتهم البرية، ولهذا قام عبدالرحمن بحشد أساطيله على طول السواحل الشرقية، ثم أخذ يشن الغارات على سواحل جنوب رنسا وعلى جزر البليار حتى قضى على قواعد المقاومة فيها مثل مرسيليا وادل وما حولهما كما سارعت جزر البليار بإعلان ولائها وتبعيتها لحكومة قرطبة سنة 634هـ (848م) بل لم يلبث أحد كبار قادة الملك الفرنسي لويس التقى أن أعلن العصيان ضده وتحالف مع الأمير عبدالرحمان وهو القائد جيوم بن برنارد ابن جيوم دوق تولوز الذي يقول فيه ابن حيان:
((وفيها (232هـ ) استأمن غليالم بن برناط بن غليالم، أحد عظام قوامس أفرنجة على الأمير عبدالرحمان بقرطبة، فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه، وصرفه معهم إلى الثغر لمغاورة الملك لذريق بن قادلة بن ببين (لويس بن شرلمان بن بيين) صاحب الفرنجة، فأثخن العدو، وأقام بمكانة ظاهراً على مَن أنقض عليهم من أمته مدة، وكتبه إلى الأمير متصلة)).
وفي خلال هذه العمليات الحربية، توفي لويس التقى
Louis le Pirux وخلفه ابنه شارل الأصلع (228 ـ 264 = 845 ـ 877م) ويعرف في المصادر الأندلسية باسم قادلة أو قادلوش.
ويبدو أن ملك فرنسا الجديد رأى أنه من الخير له ولبلده أن ينهي حالة الحرب مع جيرانه الأوياء في اسبانيا. إذ يشير ابن حيان إلى سفارة أرسلها قادلوش هذا إلى عاهل الأندلس عبدالرحمن الأوسط لإقرار السلام بين البلدين، ولما توفي عبدالرحمن وخلفه ابنه محمد (238 ـ 273ه) (852 = 886م) حرص شارل الأصلع على مسالمته وكسب وده واتحافه بالهدايا.
على أن هذا السلام لم يلبث إن انفرط عقده بعد موت صاحبه محمد وقارش أو شارل الأصلع، وعادت العلاقات تسوء من جديد بين البلدين ولا سيما في عهد كل من ملك الافرنجة وامبراطور الدولة الرومانية المقدسة: أوتو الكبير أو الأول
Otto I (هوتو في المصادر العربية) (326 ـ 363هـ = 938 ـ 973م) وخليفة الأندلس عبدالرحمان الناصر (300 ـ 350هـ = 912 ـ 961م). ولعل السببب الرئيسي في ذلك يرجع إلى الغارات البحرية التي كان يشنها المجاهدون الأندلسيون على سواحل فرنسا وإيطاليا. وعلى الرغم من أن نشاط هذه الجماعات البحرية كان من باب أعمال القرصنة الحرة التي كانت شائعة بين المسلمين والمسيحيين على السواء، فإن الامبراطور أوتو اعتبر عبدالرحمان الناصر مسؤولاً عن هذه الأعمال التي تهدد سواحل بلاده وطرق مواصلاته، ولهذا بعث إليه برسالة شديدة اللهجة يطلب منه فيها وضع حد لهذه الأعمال. وقد رد عليه الخليفة الأموي برسالة شديدة مماثلة سنة 339هـ (950م) وبعد أعوام قليلة عاد الامبراطور أوتو الأول وبعث برسالة أخرى إلى الخليفة الناصر على يد راهب يدعى جان دي جورز. فلما وصل الراهب إلى قرطبة، أحسن استقباله، وأنزل في قصر بقرطبة بجوار إحدى الكنائس كي يتسنى له ممارسة شعائره الدينية.
وطبقاً للتقاليد المتبعة في مثل هذه الحالات أحيط الخليفة علماً بمضمون الرسالة قبل تقديمها إليه رسمياً، ووجد الخليفة إنها تتضمن كلاماً فيه نيل من الرسول (ص) ولهذا رفض تسلمها، وطلب مقابلة الراهب بالهدية التي بعث بها الامبراطور فقط دون الرسالة. ولكن الراهب أصر على تقديم الخطاب الذي معه للخليفة تنفيذ التعليمات الامبراطور أوتو الأكبر.
واضطر الخليفة الناصر إزاء إصرار الراهب أن يرسل سفيراً من قبله إلى أوتو لحل هذا المشكل، واختار لهذه السفارة رجلاً مستغرباً يجيد العربية واللاتينية معاً وهو رثموندو الذي يسمى أيضاً بن زيد، إذ جرت عادة المستغربين في قرطبة أن يتخذوا أسماء غربية إلى جانب أسمائهم المسيحية. واتجه السفير الأندلسي إلى مدينة فرانكفورت حيث استقبله الامبراطور اوتو واكرم وفادته وأجابه إلى كل ما اقترحه، وأرسل معه مرافقاً ثم قفل السفير ومرافقه إلى قرطبة فوصلاها سنة 956م، وبناءً على تعليمات الامبراطور الجديدة، تخلى الراهب عن عناده وتنازل عن استصحاب الرسالة واستقبله الخليفة الناصر في احتفال كبير.
ومن الغريب أن المصادر العربية لا تذكر شيئاً عن أخبار تلك السفارات التي تبودلت بين هذين الأهلين. ابن خلدون والمقري أوردا عبارة مختصرة يذكران فيها أن ملك الافرنجة وراء جبال البرت أرسل رسولاً وهدية إلى الناصر، أما المصادر الأوروبية فقد تحدثت عن تلك السفارات في شيء من الإسهاب والتفصيل.
واستمرت هذه العلاقات السلمية قائمة بين البلدين حتى أواخر الدولة الأموية، فنسمع عن سفارات ودية متبادلة بين الحاجب المنصور بن أبي عامر والامبراطور أوتو الثالث (983 ـ 1002م) وكان هذا الامبراطور رجلاً محباً للسلام مشجعاً للعلوم ويجيد عدة لغات كالألمانية واللاتينية واليونانية. حاول أن يستعيد عظمة الامبراطورية الرومانية المقدسة كما كانت في عهد شرلمان ولكنه فشل ومات كمداً سنة 392هـ (1002م) أي في نفس السنة التي مات فيها المنصور بن أبي عامر.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه السفارات المتبادلة مع ملوك الفرنجة في أوروبا أو ملوك إسبانيا المسيحية، كانت تواكبها أيضاً اتصالات حضارية بين الجانبين. فالعلماء والرسل الذين سافروا إلى تلك البلاد، كانوا في معظمهم من علماء اليهود أو النصارى المستغربين الذين يتقنون عدة لغات كاللاتينية والصبرية والعربية. وهذا مكنهم من نقل الفكر الإسلامي إلى العقل الأوروبي، كما مكنهم في الوقت نفسه من نقل بع تراثهم اللاتيني أو العبري إلى اللغة العربية كالنحو العبري، وقوانين المجامع الكنسية الكاثوليكية مما أفاد فقهاء المسلمين في حوارهم مع أهل هاتين الملتين.
من كل ما تقدم، ومن واقع هذه العلاقات الدبلوماسية والحضارية مع الدول الأوروبية نرى أن الأندلس كانت تحتل مكانة ممتازة في القارة الأوروبية شرقاً وغرباً، وأن الإسلام في الأندلس أفاد واستفاد بحكم وضعه الفريد كدولة أوروبية.
------------------------------------
* المصدر:مجلة عالم الفكر / سبتمبر1979م

(0) تعليقات
العالم الإسلامي كمفهوم جغرافي

د. علاء طاهر
العالم الإسلامي كمفهوم جغرافي

 

كان العالم الإسلامي كرقعة جغرافية عرضة للتغيّر الطردي في اتساعه بين ما اشتمل عليه مسبقاً من أقاليم عند ظهور الإسلام أو العصر الكلاسيكي وبين ما يمثله الآن من رقعة جغرافية سياسية خاصة.
لقد خضعت هذه الرقعة الجغرافية الى الكثير من التوسع، أو بالأحرى إلى الكثير من الاتساع الاقليمي الطردي الذي تفاقم امتداده في مرحلتين، الأولى هي الفترة التاريخية الكلاسيكية المبكرة التي اصطلح على تسميتها بعصر صدر الإسلام، أي عهد الخلفاء الراشدين (رض) وبالخصوص عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. والمرحلة الثانية هي عصر الدولة الأموية. وان هذا الاطراد في السعة للرقعة الجغرافية لم يتواصل بعد ذلك إلا خلال فترة حكم الدولة العثمانية التي تغلغلت إلى أقاليم جديدة مثل شرق أوروبا لكنها لم تكوّن دولاً اسلامية جديدة مضافة، بل نجحت في تكوين أقليات اسلامية داخل منطقة شرق أوروبا التي سميت بعد ذلك بأوروبا الشرقية. وخلقت الدولة العثمانية كذلك امكانية اسلامية داخل بقاع جديدة أخرى. ولذلك فإن ما يمكن أن يوصف بأنه رقعة جغرافية للعالم الإسلامي منذ الأصل ما هو إلا وصف لوضع جغرافي سياسي متغير.
إن المفهوم الجغرافي للعالم الإسلامي يتواكب مع مفهوم الاتساع التدريجي الذي شمل في النهاية الرقعة الجغرافية السياسية القائمة حالياً. ففي بداية انطلاقة الإسلام كانت فترة الرسول محمد (ص) مصدر هذا الانتشار للإسلام. وعبر عملية التتبع التاريخ لرصد التوسع الجغرافي لانتشار الإسلام يمكن تحديد بعض المراحل الزمنية منذ انطلاق الدعوة الإسلامية وحتى عصرنا الراهن.
انطلقت الدعوة الإسلامية من مكة المكرمة، وطيلة عهد الرسول (ص) كان توسع الرقعة الجغرافية لانتشار الاسلام محصوراً بالجزيرة العربية. حيث بدأت الدعوة في بداية الأمر من شمال مكة نحو المدينة المنورة، وبعد غزوات الرسول (ص) المتعددة شمل الإسلام الرقعة الممتدة غربي شبه الجزيرة العربية على طول السواحل الشرقية للبحر الأحمر الممتدة من منطقة الحجاز شمالاً وحتى اليمن جنوباً. ثم امتد الإسلام من غرب شبه الجزيرة العربية حتى وسطها في منطقة نجد والمناطق الغربية المحاذية لصحراء الربع الخالي. وبقيت المناطق الشرقية القصوى الواقعة على السواحل الغربية للخليج والجنوبي الشرقي لم ينتشر فيها الاسلام، بل انتشر في اقصى الجنوب الشرقي للجزيرة العربية وفي المنطقة التي فيها الآن سلطنة عُمان والمنطقة الواقعة على مضيق هرمز وفي الشمال الشرقي لبحر العرب حتى ظفار جنوباً.
وبذلك يكون الإسلام حتى وفاة الرسول الأعظم (ص) عام 632 ميلادية قد شمل مناطق غرب الجزيرة العربية كلها وحزاماً صغيراً في الجنوب الشرقي للجزيرة هذا مع بقاء وسط الجزيرة العربية من الشمال الى الجنوب منطقة لم ينتشر فيها الإسلام.
وفي زمن الخليفة الأول أبو بكر وبعد قضائه على المرتدين في حروب الردة شمل الاسلام كل شبه الجزيرة العربية حيث امتد من سواحل الخليج وبحر العرب شرقاً حتى السواحل الشرقية للبحر الأحمر غرباً ومن مناطق سوريا والعراق في شمال الجزيرة حتى كل شبه سواحل الجزيرة الجنوبية المطلة على بحر العرب وقد استمر هذا الانتشار الجغرافي للدين الإسلامي حتى عام 634م.
غير ان الامتداد الجغرافي الأساسي للاسلام قد جاء في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة التالين وخاصة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فإن الفتوحات التي شهدتها فترة خلافته كانت هي الأساس الجغرافي الذي انطلقت منه الفتوحات الأخرى في العصر الأموي.
إن التأسيس الجيوستراتيجي عسكرياً لمناطق النفوذ في الدولة الإسلامية، حسب توسعها في زمن عمر بن الخطاب قد كانت القاعدة التي انطلقت منها الفتوحات الإسلامية، كما أن هذا الخليفة لم يكتفِ بعمليات الفتح بل بدأ يركز له أساساً لبناء دولة وأمصار على أساس إسلامي. فقد وضع قاعدة اقتصادية ونظام ولاية سياسية ينبثق من الشريعة وتعاليم الإسلام وكان يستفيد ايضاً من النظم الإدارية التي كانت سائدة سابقاً عندما كانت الأقاليم الجديدة المفتوحة تحت هيمنة الدولة الساسانية أو الدولة البيزنطية، أي أن الفتح الإسلامي في زمن عمر كان يؤسس لدولة إسلامية في الوقت نفسه على صعيد جميع النظم الإدارية والمالية من نظام ضرائبي الى نظام خراج... لكي تكون هذه البلدان إسلامية دائماً ومستقبلاً. ومن هنا كانت الأقاليم والبلدان المفتوحة في عهد الخليفة الثاني هي النواة للرقعة الجغرافية التي انتشر فيها الاسلام والتي كانت المركز الجغرافي الذي انطلقت منه الفتوحات الاسلامية الأخرى في عهد الخلفاء الراشدين الذين تلوه في الخلافة ثم في العهد الأموي وما بعده.
وفي نهاية عهد الخلفاء الراشدين الذي انتهى عام 661 ميلادية، كانت الرقعة الجغرافية للإسلام قد شملت كل منطقة شبه الجزيرة العربية وتوسعت نحو الشرق والشمال الشرقي للجزيرة العربية حتى وصلت شمالاً الى المنطقة التي كانت تعرف بارمينيا آنذاك والتي تمثل تركيا الحالية. ثم بلغت في الشمال الشرقي حدود سمرقند في الشرق. وضمت المنطقة التي تعرف الآن بايران وافغانستان وجزءاً من الباكستان، وتقارب شرقاً الحدود الغربية للهند الحالية.
أما في الاتجاه الشمالي لشبه الجزيرة العربية فقد شملت الفتوحات الإسلامية كل بلاد الشام والعراق والجزء الشرقي لتركيا الحالية الواقع في الجنوب الشرقي للبحر الأسود، ثم شملت جزءاً من منطقة القوقاز وكذلك البقاع الواقعة على السواحل الجنوبية الغربية لبحر قوزين. أما في الغرب فقد شملت الفتوح الاسلامية في عهد الخلفاء الراشدين وحتى العام 662 كلاً من مصر الحالية والأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية من ليبيا الحالية، حتى وصلت مدينة طرابلس والمنطقة الجنوبية الغربية لها والتي تشكل حالياً الجزء الشمالي الوسطي والغربي من ليبيا.
وبذلك كانت الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية في نهاية عهد الخلفاء الراشدين تضم كافة مناطق شبه الجزيرة العربية، أي دول الخليج الحالية والعراق وسوريا والأردن وفلسطين ثم شرقاً إيران وأفغانستان وجزءاً من الباكستان، وشمالاً جزءاً من روسيا وجزءاً من تركيا الحالية، وغرباً شبه جزيرة سيناء ومصر والجزء الشمالي والشرقي والأوسط من ليبيا الحالية وتصل في حدودها الشمالية الغربية الى حدود تونس الحالية.
كانت هذه الرقعة الجغرافية المُشكّلة للعالم الإسلامي هي القلب الذي ما زال يشكل الدولة الإسلامية المعاصرة والتي انطلقت منها الفتوحات التالية في العصر الموي ثم استمرت بعد ذلك في العصر الحديث خلال عهد الدولة العثمانية. وعلى الرغم من أن الفتوحات التي حصلت في العصر الأموي قد شملت بعد ذلك منطقة شمالي أفريقيا وجزءاً من بعض بلدان القارة الأوروبية شمالاً "اسبانيا". وكذلك في الفتوحات التي حصلت في العصر العثماني وتوغلها في منطقة شرقي أوروبا إلا أن هذه الفتوحات الأموية والعثمانية لم تؤسس رقعة جغرافية ثابتة لحد الآن، فإن ما كسبه الأمويون في بعض فتوحاتهم مثل اسبانيا وبعض المناطق الاوروبية وكذلك في المناطق الشمالية الشرقية التي وصلتها الفتوحات في عهدهم ما لبثوا أن فقدوها أثناء الصراعات العسكرية التي نشبت في فترات تاريخية مختلفة بعد ذلك بينهم وبين الدول الأجنبية الأخرى.
-----------------------------------------
المصدر : العالم الاسلامي في الاستراتيجيات العالمية المعاصرة

(0) تعليقات
المسيح في نظر المسلمين

المسيح في نظر المسلمين

ظلت مريم في الاعتكاف كعادتها، ولكنها فوجئت في يوم من الأيام برجل يقف أمامها، فارتاعت وتساءلت: مَن هذا الذي يُنغص عليها وحدتها؟ وماذا يريد نمها؟ ولكنه نقلها من عجب إلى عجب حين قال لها: (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً) مريم/ 19، وصاحت مريم: (أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بَغِياً) مريم/ 20، فأجاب: (كذلك، قال ربك هو عليّ هيّن، ولنجعله آية للناس ورحمة منا، وكان أمراً مقضياً) مريم/ 21، ورضيت مريم بمنحة الله، وبدأ الحمل، وتقول الآية الكريمة: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) الأنبياء/ 91.
- ما الروح؟
وينبغي أن نقف هنا وقفة قصيرة لنقدّم دراسة عن الروح متصلة بقوله تعالى: (فنفخنا فيها من روحنا).
وقد وردت (الروح) في القرآن الكريم بمعان ثلاثة هي:
1 ـ بمعنى جبريل، قال تعالى:
ـ (وأيدناه بروح القدس) البقرة/ 87.
ـ (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا) مريم/ 16.
ـ (نزل به الروح الأمين) الشعراء/ 193.
ـ (تعرج الملائمة والروح إليه) المعارج/ 4.
ـ (تنزل الملائكة والروح فيها) القدر/ 4.
2 ـ بمعنى الوحي بوجه عام أو القرآن بوجه خاص، قال تعالى:
ـ (ينزل الملائكة بالروح من أمره) النحل/ 3.
ـ (يلقي الروح من أمره على مَن يشاء من عباده) المؤمنون/ 15.
ـ (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) الشورى/ 52.
3 ـ بمعنى القوة التي تحدث الحياة في الكائنات، قال تعالى:
ـ (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الإسراء/ 85.
ـ (إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الحجر/ 28-29.
ـ (إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) ص/ 71-72.
ـ (والتي أحصنت فرجها فنفنخنا فيها من روحنا) الأنبياء/ 91.
ـ (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) التحريم/ 12.
والآية السابقة (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) واضحة الدلالة على أن هذه القوة التي تحدث الحياة في الكائن هي من علم الله، وأن الله سبحانه خص نفسه بمعرفة كنهها، وهو وحده الذي يمنحها فتدب الحياة أو يأخذها فتصبح الأجسام هامدة.
والآيات التالية تطبيق لذلك، فالله خلق بشراً من طين ثم أودعه الروح، وباللغة القرآنية (نفخ فيه من روحه) أي أودعه القوة التي لا يعرفها ولا يسيطر عليها سواه، فجاء آدم.
وأودع هذه القوة رحم مريم العذراء التي أحصنت فرجها والتزمت بالعفاف وعدم مخالطة الرجال، ونتيجة لنفخ روح الله في رحم مريم أي إيداع الله القوة التي تخلق الكائن الحي في رحم السيدة العذراء، جاء السيد المسيح.
ومن هنا تجيء الآية الكريمة: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم..) آل عمران/ 59.
ويلاحظ في الآيتين الكريمتين السابقتين المرتبطتين بالسيدة العذراء وحملها أن الآية الأولى تقول (فنفخنا فيها) والثانية تقول (أحصنت فرجها فنفخنا فيه) والمقصود في الآية الأولى منحنا مريم القوة التي جعلت طفلاً يدب في رحمها، فالضمير لمريم، أما الآية الثانية فاتجهت للوسيلة التي يجيء الأطفال عن طريقها وذلك للتقريب، وهناك إحدى القراءات في هذه الآية تقول (فيها) أيضاً، والنفخ هو تسلط الارادة كما سنرى بعد قليل وليس نفخاً بالمعنى المعروف.
ويتجه الإمام البيضاوي اتجاهاً ميسراً في شرح هذه الآيات فيرى أن (مِنْ) حرف زائد، وأن المقصود أودعنا في الطين أو في الرحم روحنا أي القوة التي لا يملكها سوانا والتي بمقتضاها يجيء كائن حي بدون الوسائل العادية. وكلماته هي (روح خلقناه بلا توسط أصل).
ويقول الباحثون المسلمون إن معنى النفخ هو تحصيل آثار الروح أي أن تدب الحياة، ويقولون إن منح الله القوة في كل الأرحام ضروري للحمل والحياة، وأن كثيراً من الأزواج يلتقون بزوجاتهم، ولا يحصل حمل مدة من الزمن لأن الله سبحانه لم يمنح هذه القوة التي يبدأ بها الحمل أو تبدأ بها الحياة، ثم يتفضل الله عندما يشاء فيمنح هذه القوة ويبدأ الحمل، ومعنى هذا أن نفخ الروح في الأرحام ضروري لكل البشر، وإنما ورد النص في حالتي آدم وعيسى لأن الخلق في آدم والحمل في عيسى جاء بغير الطريق الطبيعي، ولكن بالنسبة لله سبحانه وتعالى تستوي كل الطرق.
ولعله يرتبط بهذا ما يذكره ابن هشام حول تفسير قوله تعالى: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) آل عمران/ 6، فإنه يذكر أن عيسى (ع) كان ممن صُوِّر في الأرحام كما صوّر غيره من بني آدم (آل عمران/ 49).
وقد أعطى الله سبحانه وتعالى لعيسى (ع) هذه القوة ليستعملها في هيئة الطير التي صنعها من الطين ثم نفخ فيها فأصبحت طيراً بإذن الله، قال تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله).
- النفخ:
وإيضاحاً لكلمة النفخ التي تكرر ورودها في القرآن الكريم متصلة بخلق آدم و بخلق عيسى (ع) أو بخلق طير من الطين أو متصلة بالنفخ في الصور، نذكر أن المفسرين يرون أن معنى النفخ هو تحصيل آثار الروح أي أن تدب الحياة، فهو تسلط الإرادة بالحياة في حالة آدم وعيسى وهيئة الطير التي أعدّها عيسى، وتسلط الارادة بالبحث يوم القيامة، وكلمات المفسرين التفصيلية هي: أصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق ولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض به القوة الحيوية فيسري حاملاً لها في تجويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه بالبدن نفخاً، والمقصود تعلق الإرادة على كل حال.
وعلى هذا فخلق عيسى على هذا النمط هو على نمط خلق آدم وخلق الطائر من الطين الذي سيهيئه عيسى على هيئة الطير، وهو تصرف لا يحتاج لجهد، ولكن المسيحيين عندما اتخذوا ذلك وسيلة لتأليه عيسى عقدوا الأمور، وصوروا عيسى ابن الله .. والله سبحانه لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
- مشكلات السيدة العذراء بعد الحمل:
لقد تقبلت السيدة العذراء أمر ربها، وبدأ حملها بابنها، ولكن كيف سيكون موقفها من الناس الذين لا يعلمون ما تعلم؟
وبعد فترة بدأ الجنين يدب في رحم العذارء، وكثرت أوهامها وأفكارها عما سيقوله الناس عنها وخرجت من الهيكل إلى قريتها الناصرة، وأقامت في بيت صغير اعتزلت فيه الناس، ثم خرجت مع يوسف النجار إلى بيت لحم، فلما أوشكت على الوضع وأحست ألم المخاض خرجت من القرية، فأجاءها المخاض (دفعها) إلى جذع نخلة يابسة، وحيدةً فريدةً، حيث وضعت السيد المسيح، ونظرت لطفلها البريء الذي سيصبح في نظر القوم دليل جريمة، وقالت: (يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً) مريم/ 23، ثم فكرت في طعامها وشرابها ليكون ذلك وسيلة لدرِّ اللبن إلى ابنها، فسمعت صوت الملاك يناديها (ألاّ تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً –جدول ماء- وهزِّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً، فكلي واشربي، وقرِّي عيناً) مريم/ 24-26.
وإذا كانت مسألة الطعام والشراب قد انحلّت فكيف بمشكلة العار؟ وماذا عسى أن تقول للمتهمين والمتهكمين والذين سيصيحون فيها قائلين (يا مريم لقد جئت شيئاً فَرِيّاً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيا) مريم/ 27-28، ولكن الملاك علّمها الرد على هذا الاتهام، وهو أن تسكت وتدع الرد للطفل الصغير ففي كلامه الرائع معجزة وآية معجزة، (فإما ترينّ من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسياً) مريم/ 26.
فلما تجمع القوم وسألوها عن فعلتها أمسكت عن الكلام وأشارت إليهم ليكلموا الصبي (فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم مَن كان في المهد صبياً؟ قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً. وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) مريم/ 29-33، وصدّق قليلون، ورآه الباقون سحراً، وظلت أغلبية بني إسرائيل الساحقة في طغيانهم يعمهون، فكانوا يسمونه (ابن البغية) وكانوا يقولون على مريم بهتاناً عظيماً.
- هل هناك حكمة في أن عيسى ولد من غير أب؟
يرى الأستاذ أبو زهرة أن ذلك كان لحكمة رائعة، فاليهود كانوا قوماً ماديين ربطوا الأسباب بمسبباتها، وسادت عندهم الفلسفة التي تقول إن خلق الكون كان من مصدره الأول كالعلة من معلولها، فأراد الله سبحانه أن يوضح لهم أن قدرته هي التي ربطت الأسباب بمسبباتها، وأنها تستطيع أن تتجاوز هذا القانون فيوجد المسبب دون أن يوجد السبب، فخلق الله عيسى من غير أب لهذا. ومن مادية اليهود أيضاً إنكارهم الروح واعتقادهم أن الانسان مادة خلقت من مادة فأراد الله أن يخلق إنساناً دون أنت كون المادة أساساً له.
- نشأة عيسى:
ليس عندنا كثير من المعلومات عن نشأة عيسى، ويقول القس بولس شباط إن الأناجيل قد أوجزت الكلام عن حياة عيسى من مولده إلى دعوته، فلم تذكر منها إلا نزراً يسيراً. ولا كَتَبَ الإنجيليون سوى أنه كان يزاول التجارة وقد نشأ ـ فيما يبدو ـ كما ينشأ الصبيان في عهده، وكان ينتقل مع أمه بين الناصرة وببيت المقدس، وامتاز بذكاء وعمق، فلم يكن يهتم بمظاهر الأشياء بل كان يغوص في أعماقها، وكان يسمع المدرسين والحكماء فلا يسلم بما يقولون به، بل يناقشهم كلما رأى في كلامهم غموضاً أو ألغازاً مما تعود سواه أن يقبلها دون تفسير أو نقاش، وقد ألَمَّ بالتوراة ونال من العلم قسطاً كبيراً، وساءه ما آلت غليه حالة قومه من بني إسرائيل من ضلال وعمى، وما خضعوا له من ترهات وأكاذيب سنلم ببعضها فيما يلي:
- بنو إسرائيل قبل نبوة عيسى:
حرَّف بنو إسرائيل شريعة موسى وجعلوا همهم جمع المال. وامتدّ هذا التفكير المادي إلى العلماء والرهبان، فأخذوا يحرضون العامة على تقديم القرابين والنذور للهيكل رجاء أن يحصلوا على الغفران، وربطوا الغفران برضا الرهبان ودعائهم.
وتعمقوا في المادية وبعدوا عن الروحية، فأنكر فريق منهم القيامة والحشر، ومن ثم أنكروا الحساب والعقاب، فانغمس الكثيرون منهم في متاع الحياة الدنيا غير خائفين من عاقبة، ولا متوقعين حساباً، وفي كلمة واحدة لقد فسدت العقيدة وفسدت الأخلاق، ولم يكن بد من منقذ يحاول أن يردهم عن طغيانهم الذين كانوا فيه يعمهون.
- نبوة عيسى ومعجزاته:
بُعث المسيح وهو في حوالي الثلاثين من عمره، وكان لب دعوته التبشير بالروح وهجر الملاذ الضالة، وأيده الله بمعجزات خارقة هامة ذكرها القرآن في الآيات الآتية: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) آل عمران/ 49. فهذه معجزات أربعة:
1 ـ خلق طير من الطين.
2 ـ إبراء الأكمه والأبرص.
3 ـ إحياء الموتى.
4 ـ الإنباء بما هو مجهول من طعامهم ومدخراتهم.
وأما المعجزة الخامسة فهي إنزال المائدة التي طلبها الحواريون وقد ورد ذكرها في قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، قال عيسى بن مريم: اللهم ربنا أنزل علنيا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين، قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) المائدة/ 112-115.
ولست أدري كيف يتشكك الحواريون في رسالة عيسى مع براهينه الماضية، وهم الذين اتبعوه من دون بني إسرائيل؟ وإذا كان هذا شن الحواريين فكيف يكون شأن العامة، ثم لماذا كانت المائدة هي الوسيلة الوحيدة ليصدقوا، مع أنها ليست أقوى من إحياء الموتى ولا إبراء الأكمه والأبرص؟
وقبل أن نترك معجزات المسيح نقرر أن المسلمين مع إقرارهم بهذه المعجزات لا يؤيدون ما تذكره الأناجيل عن استعمال هذه المعجزات في الحياة العملية، فالذي يقرأ هذه الأناجيل يلاحظ ملاحظتين هامتين:
1 ـ تذكر هذه الأناجيل عدداً ضخماً أحياهم المسيح بعد الموت، أو شفاهم من البرص، أو جعلهم يبصرون بعد العمى، وطبيعة المعجزة غير ذلك، إنها دليل لإثبات النبوة، ومعنى ذلك أنها تستعمل بضع مرات لتحدي البشر حتى يصدقوا، ولكن الذي تذكره هذه الأناجيل غير هذا، إنه أشبه بالتمثيل، أي يُميت الله فيحيى عيسى مَن أماته الله دائماً، ويقضي الله بالعمى فَيَهبُ عيسى الأبصار لكل العميان.
وتحفل الأناجيل بالحديث عن العشرات والمئات من المجانين والمصروعين والعميان والموتى والمشلولين الذين شفاهم السيد المسيح، وأحياناً يذكر إنجيل متى أن (جموعاً كثيرة جاءت ليسوع فيهم العرج والعمى والخرس والشل وآخرون كثيرون وطرحوا عند قَدَمَي يسوع فشفاهم).
2 ـ من أين هذا العدد الكبير من المرضى والموتى والعميان.. الذين ذكرت الأناجيل أن معجزات المسيح مستهم؟ حتى ليوشك أن يفوق هذا العدد سكان فلسطين جميعاً في ذلك الوقت، وكأن كل السكان مسهم البرص أو العمى فشفاهم عيسى، أو ماتوا فأحياهم.
- اتجاه معجزات عيسى:
لماذا اتجهت معجزات المسيح اتجاهاً طبياً في الغالب؟
المشهور أن أكثر معجزات الرسل تأتي من نوع ما اشتهر من الفكر في عهد كل منهم، وتكون في مستوى أعلى مما يستطيعه الناس، فالسحر كان معجزة موسى، والبلاغة كانت من معجزات محمد، لانتشار السحر في عهد موسى، وانتشار البلاغة في عهد محمد، ولكن، ليس معنى هذا انتشار الطب بين بني إسرائيل في عهد عيسى، لا، فإن الثابت أن معرفة بني إسرائيل بالطب كانت قليلة حينذاك وقبل ذاك، حتى لقد كان انتشار الوباء بينهم من أسباب إخراجهم من مصر، والذي نراه أن معجزات عيسى في صميمها تتفق مع طبيعة مولده، فمعجزاته من نوع مولده ترمي إلى إحياء الناحية الروحية وإقامة الدليل على وجود الروح، تلك التي أنكرها أكثر بني إسرائيل فخلق شكل طير من الطين لا حراك فيه، ثم النفخ فيه فيتحرك ويطير مع أن مادته لم يزد عليها شيء، معناه أن زيادة جديدة طرأت، وهذه الزيادة ليست مادية قط، فلابد أن تكون روحية، وجسم الميت الذي لا يتحرك ولا يعي، يصبح بعد دعوة عيسى حياً واعياً دون زيادة مادية عليه، فمعنى ذلك وجود الروح.
وتتصل بمعجزات عيسى (ع) خرافة كان جديراً بنا أن نغض عنها الطرف، ولكن لا بأس من إيرادها للترويح، فقد ذكر الأب بولس إلياس في مجال الفخر بعيسى ومعجزاته ما يلي: (ومن مزيته التي لا يفاضله فيها نبي ولا رسول أنه أفضى بالقدرة على إتيان المعجزات إلى تلاميذه، ثم جدد منحها لهم بعد قيامه من الموت وصعوده إلى السماء، وأورث كنيسته تلك القدرة أيضاً).
ولو استطاع البابا الآن أن يحيي الموتى أو يبرئ الأكمه والأبرص كما كان عيسى يفعل، لو استطاع ذلك لتوقف الخلاف بين الأديان ولاتبعه كافة البشر، ولكن هيهات أن يكون ذلك، فليس البابا إلا إنساناً يمرض ولا يعرف الطريق إلى علاج نفسه، فما بالك بعلاج سواه، وقد رأينا حديثاً أحد البابوات يمرض ويطول عليه المرض، وتقوم الصلوات في الكنائس للتخفيف عنه وشفائه دون جدوى، فمن أين جاء بولس إلياس وأمثاله بهذه الخرافة؟
- اليهود ودعوة المسيح:
كانت دعوة المسيح تحارب اتجاهين تأصّلا عند اليهود، هما:
1 ـ شغفهم بالمادة وإهمالهم الناحية الروحية فيهم.
2 ـ ادعاؤهم أنهم شعب مختار، وادعاء أحبارهم أنهم الصلة بين الله والناس، وبدونهم لا تتم الصلة بين الخالق والمخلوق.
ولشد ما كان ارتياع اليهود وغضبهم عندما شهدوا يسوع يكستح أمامه كل ما يعتزون به من ضمانات، إذ يعلم الناس أن الله ليس من المساومين، وأن ليس هناك شعب مختار، وأن لا أحظياء في مملكة السماء، وأن الله هو الأب المحب لكل الأحياء، وأنه لا يستطيع اختصاص البعض بالرعايات عدم استطاعة الشمس ذلك مع الناس سواء بسواء.
وبسبب هذا الموقف تعرض عيسى إلى عداء بني إسرائيل وسخطهم، ولم يؤمن به إلا قليلون منهم، فقد انتظروه مسيحاً يبسط سلطان بني إسرائيل على العالم أجمع، ولكن خابت آمالهم فيه، ثم عندما رأوا أن بعض الضعفاء اتبعوه، خافوا أن تنتشر مبادئه، فأغروا به الحاكم الروماني، ولكن الرومانيين كانوا وثنيين ولم يكونوا على استعداد للدخول في الخلافات الدينية بين اليهود، ولم تكن دعوة المسيح التي أعلنها إلا إصلاحاً خلقياً ودينياً فلم تتصل دعوته بالسياسة، ولم تمس الحكومة من قريب أو من بعيد، ولذلك لم يستحق غضب الرومان، ولكن اليهود تتبعوا عيسى لعلهم يجدون منه سقطة تثير عليه غضب الرومان، فلما لم يجدوا تقوّلوا عليه وكذبوا، فأغضبوا الحاكم الروماني على عيسى، فأصدر أمره بالقبض عليه، وحكم عليه بالإعدام صلباً.
وكان الكهنة وغوغاء أورشليم المتمسكون بعقيدتهم السلفية أكبر المتهمين ليسوع.
- نهاية المسيح على الأرض:
أخذ جند الرومان يبحثون عن عيسى لتنفيذ الحكم عليه كما أوردنا من قبل، وكان عيسى قد لجأ إلى ضيعة جثسيماني ليحتمي بها، ولكن الخائن يهوذا الاسخريوطي أحد الحواريين، كان قد اتفق مع زعماء اليهود على أن يدلهم على مكمنه نظير ثلاثين قطعة من الفضة، وتسلم هذا الخائن هذا المبلغ، وقاد جند الرومان إلى حيث وجد السيد المسيح، ولما كان جند الرومان لا يعرفون شخصية المسيح، فقد ذكر الخائن لهم علامة هي قوله: الذي سأقبِّله هو هو أمسكوه.
وتمّ كل شيء على هذا النمط، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فإنه عند تقبيل الخائن للمسيح ألقى الله على الخائن شبه عيسى وملامحه تماماً، فأصبح الدليل هو المدلول عليه، وأصبح الذي قبَّل يحمل جميع ملامح الذي قُبِّل، وتقدم جند الرومان فقبضوا على الخائن وأرتج عليه، أو أسكته الله فلم يتكلم حتى نفذ فيه حكم الصلب.
أما السيد المسيح فقد كتب الله له النجاة من هذه المؤامرة، وانسلَّ من بين المجتمعين فلم يحس به أحد، وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم).
بقيت بعض نقاط جديرة بالإيضاح هي:
أولاً ـ مَن هو الخائن؟
ما ذكرناه آنفاً من أن الخائن هو يهوذا الاسخريوطي أحد الحواريين الاثني عشر هو رواية مسيحية، أما المراجع الاسلامية فلم تحدد شخصية الواشي، وتتجه المراجع المسيحية إلى نجاح المؤامرة وصلب السيد المسيد، وأن يهوذا كان حياً بعد صلب عيسى، وأنه ندم وردّ إلى كهنة اليهود ما كان قد أخذه منهم، ومضى فخنق نفسه.
ولا يوافق المسلمون على هذا الزعم لأن هذه المراجع اتجهت هذا الاتجاه لاقتناعها بأن الذي صُلب هو السيد المسيح نفسه، ونقول إنه إذا ثبت أن يهوذا كان حياً بعد هذه الحادثة فن الخائن يكون شخصاً آخر، لأن المسلمين لم يحددوا شخصية الخائن.
وأغلب الظن أن الدفاع عن يهوذا دفاع مصطنع قام به بعض الذين شملهم الخجل من هذه الخيانة التي قام بها أحد الحواريين.
وإذا جاز لنا أن نجري بعض المقارنة فإننا نذكر القارئ أن زعماء المسلمين كانوا في حالات متعددة يضعون أنفسهم لمواجهة المخاطر حتى ينجو الرسول، وقد حدث ذلك في غزوة أحد وغزوة حنين، كما حدث قبل ذلك عندما بات الإمام علي في سرير الرسول ليلة الهجرة، وهو يعرف أن مَن يبيت في هذا السرير يواجه الموت من الأعداء المتربصين بصاحب البيت.
ثانياً ـ إلى أين ذهب عيسى بعد النجاة من المؤامرة؟
لم تتحدث المراجع التاريخية عن المكان الذي ذهب إليه عيسى (ع) عقب نجاته من المؤامرة، والذي يرشد له العقل أن عيسى (ع) بعد ذلك ترك فلسطين لأن بقاءه فيها كان معناه أن يعثر عليه اليهود والسلطة الحاكمة في يوم من الأيام، وأن ينفذوا فيه الحكم الذي صدر عليه.
وعلى كل حال فقد اختفى السيد المسيح عقب نجاته، واختفت معه أخباره، على أن هناك قولاً يرى أن المسيح هاجر إلى بلاد الهند ومات هناك في لاهور، وهو قول ينقصه التأكيد والوثائق.
ثالثاً ـ ماذا كانت نهاية عيسى بعد النجاة؟
هل رفع إلى السماء حياً بجسمه وروحه؟
هل استوفى أجله على الأرض وهو مختف ثم مات ودفن جسمه ورفعت روحه إلى بارئها؟
كان هناك اتجاه شاع بين الناس بأن عيسى (ع) عندما نجا من المؤامرة رفع بجسمه وروحه إلى السماء، وكان هذا الرأي يصور اختفاءه الذي تحدثنا عنه، ولكن هذا الاتجاه واجه دراسة واسعة قام بها المفكرون في العصر الحديث، واعتمدوا في كلامهم على نصوص قديمة ودراسات موثقة، وأوشك هذا الاتجاه الجديد أن يقضي على المزاعم القديمة التي كانت تقول برفع السيد المسيح بجسمه وروحه.
وعلى كل حال فينبغي أن نورد دعائم الرأي القديم، وأن نناقش هذه الدعائم لنسهم في تأصيل الرأي الجديد الذي نرتضيه.
بُنِيَ الرأي القديم على فهم غير دقيق للآيات والأحاديث التالية:
ـ قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه) النساء/ 157-158.
ـ وقوله: (إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا).
ـ ما ورد في البخاري ومسلم من أن رسول الله (ص) قال: والذي نفسي بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حاكماً عادلاً مقسطاً، يكسر الصليب ويقتل الخنزير..
ـ ما ورد في مسلم من أن عيسى سينزل في آخر الزمان فيقتل المسيح الدجال.
- مناقشة هذه الأدلة وردّها:
ويناقش جمهور المفكرين المسلمين هذه الأدلة فيقولون إن عيسى بعد أن نجا من اليهود عاش زمناً حتى استوفى أجله، ثم مات ميتة عادية ورفعت روحه إلى السماء مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء، وقد ورد النص برفع عيسى ـ مع أن روحه سترفع بطبيعة الحال لأنه نبي ـ تكريماً لمكانته بعد التحدي الذي واجهه من اليهود، فذكر الله نجاته، ثم مكانته التي استلزمت رفع روحه.
ويقولون عن الآية الأولى (بل رفعه إليه) إنها تحقيق الوعد الذي تضمنته الآية الثانية (إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا) فإذا كان قوله تعالى (بل رفعه الله إليه) خلا من ذكر الوفاة والتطهير واقتصر على ذكر الرفع فإنه يجب أن يلاحظ فيها ما ذكر في قوله (إني متوفيك..) جمعاً بين الآيتين.
ويرى هؤلاء العلماء أن الرفع معناه رفع المكانة وقد جاء الرفع في القرآن بهذا المعنى كثيراً، قال تعالى:
ـ (في بيروت أذن الله أن ترفع) النور/ 36.
ـ (نرفع درجات مَن نشاء) الأنعام/ 83.
ـ (ورفعنا لك ذكرك) الانشراح/ 4.
ـ (ورفعناه مكاناً علياً) مريم/ 57.
ـ (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة/ 11.
وإذن فالتعبير بقوله (ورافعك إلي) وقوله (بل رفعه الله إليه) كالتعبير في قولهم: لحق فلان بالرفيق الأعلى، وفي (إن الله معنا9 التوبة/ 55. وفي (عند مليك مقتدر) القمر/ 55، وكلها لا يفهم منها سوى معنى الرعاية والحفظ والدخول في الكنف المقدس.
وهناك آية كريمة أقوى دلالة من آيات الرفع، ولكنها مع هذا لا تعني سوى خلود الروح لا الجسم، وهي قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) آل عمران/ 169.
فمع أن الآية قررت أنهم أحياء فليس معنى هذا حياة الجسم، فجسم الشهيد قد وُوري التراب، ومع أنها قررت أنهم عند ربهم. وأنهم (يرزقون) .. فليس المقصود هو العندية المكانية. ولا الرزق المادي، وإنما المقصود تكريم الروح بقرباه من الله قرب مكانة والاستمتاع باللذائذ استمتاعاً روحياً لا جسمانياً.
وعن الحديثين يجيب الباحثون بإجابتين:
أولاً ـ هما من أحاديث الآحاد وهي لا توجب الاعتقاد، والمسألة هنا اعتقادية كما سبق.
ثانياً ـ الحديثان ليس فيهما كلمة واحدة عن رفع عيسى بجسمه، وقد فُهِم الرفع من نزول عيسى، فاعتقد بعض الناس أن نزول عيسى معناه أنه رفع وسينزل، وهكذا قرر هؤلاء أن عيسى رفع لمجرد أن في الحديثين كلمة ينزل، مع أن اللغة العربية لا تجعل الرفع ضرورة للنزول، فإذا قلت نزلت ضيفاً على فلان، فليس معنى هذا أنك كنت مرتفعاً ونزلت، وإذا رجعنا إلى مدلول هذه الكلمة (نزل-وأنزل) في القرآن الكريم، وجدنا أنه لا يتحتم أن يكون معناها النزول مع ارتفاع، بل قد يكون معناها: جعل، أو قدَّر، أو وقع، أو منح، قال تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) الحديد/ 25، أي جعلنا في الحديد قوة وبأساً.
وقال: (وقل ربي أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) المؤمنون/ 29، أي قَدِّر لي مكاناً طيباً.
وقال: (فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين) الصافات/ 172، أي وقع.
وقال: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) الزمر/ 6، أي منحكم وأعطاكم.
وهكذا يتبين لنا أن كلمة ينزل في الحديثين ـ لو صح هذان الحديثان ـ ليست إلا بمعنى يجيء، ومن الممكن أن يحيى الله عيسى ويرسله على شريعة محمد قبل قيام القيامة، وليس ذلك بمستبعد قط على الله، والاستنتاج الذي قاله به هؤلاء خروج بالكلمات عن مدلولها، فالرفع ليس من كلمات الحديث الشريف بل من تفكير بعض قارئ الحديث وليس من حقهم أن يضيفوا إلى الحديث ما ليس منه وما لا تستدعيه ألفاظه.
وهناك آيتان اختلف المفسرون في تفسيرهما، وجاء في بعض ما قيل عنهما أنهما تدلان على نزول عيسى في آخر الزمان، وهاتان الآيتان هما.
ـ (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) النساء/ 159.
ـ (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها) الزخرف/ 61.
فعن الآية الأولى يرى بعض المفسرين أن الضمير في (به) وفي (موته) عائد على عيسى ويكون المعنى على ذلك عندهم أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل أن يموت عيسى أن سيؤمنون به عند عودته آخر الزمان، ولكن هذا مردود بما ذكره مفسرون آخرون من أن الضمير في (به) لعيسى وفي (موته) لأهل الكتاب، والمعنى أنه ما من أحد من أهل الكتاب يدركه الموت حتى تنكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح فيرى أن عيسى رسول ورسالته حق، فيؤمن بذلك، ولكن حيث لا ينفعه إيمان.
وأما عن الآية الثانية (وإنه لعلم للساعة..) فيرى بعض المفسرين أن الضمير في (إنه)، راجع إلى محمد (ص) أو إلى القرآن على أنه من الممكن أن يكون راجعاً ـ كما يقول مفسرون آخرون ـ إلى عيسى لأن الحديث في الآيات السابقة كان عنه. فالمعنى وإن عيسى لعلم للساعة، ولكن ليس معنى هذا أن عيسى سيعود للنزول بل المعنى أن وجود عيسى في آخر الزمان (نسبياً) دليل على قرب الساعة وشرط من أشراطها، أو أنه بخلقه بدون أب، أو بإحيائه الموتى دليل على صحة البعث.
وعلى كل حال فنزول عيسى في آخر الزمان على فرض حدوثه ليس معناه رفعه حياً بجسمه كما سبق القول، ثم إن الدليل إذا تطرق له الاحتمال سقط به الاستدلال كما يقول علماء الأصول، وفي هذه الأدلة أكثر من الاحتمال، بل فيها اليقين عند الأكثرين.
- المسيح الدجال في رأي الإمام محمد عبده:
ترى المسيحية أن المسيح الدجال أو المسيح الدجال أو المسيخ الدجال شخص مضاد للمسيح وأنه ظهر أو سيظهر ليقود قوى الشر ضد قوى الخير.
ففكرة المسيح أو المسيخ الدجال فكرة مسيحية، وقد روى مسلم حديثاً عنها، وقد تعرض الأستاذ الإمام محمد عبده لهذا الحديث وقال: إن هناك تخريجين لهذا الحديث:
1 ـ أولهما أنه حدي آحاد متعلق بأمر اعتقادي، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا القطعي، لأن المطلوب فيها اليقين، وليس في الباب حديث متواتر.
2 ـ ثانيهما أن الدجال ليس إلا رمزاً للخرافات والدجل، وقد وجد ذلك وسيوجد عدة مرات، وهو يزول بشريعة الاسلام الغراء وبالقرآن والحديث وجهود العلماء والمفكرين وعلى هذا فلا وجود لما يسمى المسيح الدجال وهو الرأي الذي يرتضيه أكثر العلماء.
- رفع روح عيسى لا جسمه:
ونجيء الآن لإيراد بعض التفاصيل والأدلة التي ترى أن عيسى (ع) مات كما مات كل الأنبياء والصالحين وغيرهم، وأن جسمه قد دفن كما دفنت أجسام الأنبياء وغيرهم، وأن الذي رفع هو روحه:
وبادئ ذي بدء أذكر أن ندوة كبيرة أقامتها مجلة (لواء الاسلام) في أبريل سنة 1963م عن هذا الموضوع، وقد اشترك فيها مجموعة من العلماء الأفذاذ، واتفق الجميع على مبدأين مهمين هما:
1 ـ ليس في القرآن الكريم نص يلزم باعتقاد أن المسيح (ع) قد رفع بجسمه إلى السماء.
2 ـ عودة عيسى (ع) جاءت بها أحاديث صحاح، ولكنها أحاديث آحاد، وأحاديث الآحاد لا توجب الاعتقاد، والمسألة هنا اعتقادية فلا تثبت بهذه الأحاديث.
وعلى كل حال فالعلماء الذين يرون أن الذي رفع هو روح عيسى لا جسمه يعتمدون أساساً على الآيات القرآنية التالية:
ـ (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إليّ مرجعكم) آل عمران/ 55.
فهذه الآية تذكر بوضوح ما سبق أن ذكرناه، أي وفاة عيسى وتطهيره وحمايته من أعدائه، وتجعل عيسى ضمن أتباعه إلى الله مرجعهم.
ـ (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن أعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد) المائدة/ 117.
وواضح من الآية وفاة عيسى ونهاية رقابته على أتباعه بعد موته وترك الرقابة لله.
ـ وقوله تعالى حكاية عن عيسى: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) مريم/ 33.
والآية واضحة الدلالة على أن عيسى ككل البشر يولد ويموت ويبعث، وكل ما يخالف ذلك تحميل للفظ فوق ما يحتمل.
وقد اشترك في هذا الرأي كثير من العلماء في العصور الماضية وفي العصر الحديث، وفيما يلي نسوق بعض تفاسير لهذه الآيات الكريمة كما نسوق آراء العلماء الأجلاء.
يقول الإمام الرازي في تفسير الآية الأولى: إني متوفيك أي منهي أجلك، ورافعك أي رافع مرتبتك ورافع روح إلي، ومطهرك أي مخرجك من بينهم، ومفرق بينك وبينهم، وكما عظّم شأنه بلفظ الرفع إليه خبّر عن معنى التخليص بلفظ التطهير، وكل هذا يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منزلته، ويقول في معنى قوله تعالى: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) المراد بالفوقية، الفوقية بالحجة والبرهان ثم يقول: واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله: (ورافعك) هو رفع الدرجة والمنقبة لا المكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة والمكانة.
ويقول الآلوسي: ان قوله تعالى (إني متوفيك) معناها على الأوفق أني مستوف أجلك، ومميتك موتاً طبيعياً، لا أسلط عليك مَن يقتلك، والرفع الذي كان بعد الوفاة هو رفع المكانة لا رفع الجسد خصوصاً وقد جاء بجانبه قوله تعالى (ومطهرك من الذين كفروا) مما يدل على أن الأمر تشريف وتكريم.
ويرى ابن حزم وهو من فقهاء الظاهر: إن الوفاة في الآيات تعني الموت الحقيقي، وأن صرف الظاهر عن حقيقته لا معنى له، وأن عيسى بناء على هذا قد مات.
وقد تعرض الأستاذ الإمام محمد عبده إلى آيات الرفع وأحاديث النزول، فقرر الآية على ظاهرها، وأن التوفي هو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعد ذلك وهو رفع الروح.
ويقول الأستاذ الشيخ محمود شلتوت: ان كلمة (توفى) قد وردت في القرآن كثيراً بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها المتبادر منها، ولم تستعمل في غير هذا المعنى إلا بجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر، ثم يسوق عدداً كبيراص من الآيات استعملت فيه هذه الكلمة بمعنى الموت الحقيقي، ويرى أن المفسرين الذين يلجأون إلى القول بأن الوفاة هي النوم أو أن في قوله تعالى: (متوفيك ورافعك) تقديمً وتأخيراً، يرى أن هؤلاء المفسرين يحملون السياق ما لا يحتمل، تأثراً بالآية (بل رفعه الله إليه) وبالأحاديث التي تفيد نزول عيسى، ويُرَدّ على ذلك بأنه لا داعي لهذا التفكير، فالرفع رفع مكانة، والأحاديث لا تقرر الرفع على الاطلاق.
ويقول فضيلته إنه إذا استدل البعض بقوله تعالى (وجيهاً في الدنيا والآخرة من المقربين) آل عمران/ 45، على أن عيسى رفع إلى محل الملائكة المقربين. أجبناه بأن كلمة (المقربين) وردت في غير موضع من القرآن الكريم دون أن تفيد معنى رفع الجسم، قال تعالى:
ـ (والسابقون السابقون أولئك المقربون) الواقعة/ 10-11.
ـ (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة ونعيم) الواقعة/ 88-89.
ـ (عيناً يشرب بها المقربون) المطففين/ 28.
فيقول: ليس في القرآن نص صريح على أن عيسى رفع بروحه وجسده إلى السماء، وليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء، وإنما هي عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الاسلام بثها في المسلمين.
ويضيف هذا الباحث قوله: وإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يصلح العالم فمن السهل أن يصلحه على يد أي مصلح ولا ضرورة اطلاقاً لنزول عيسى أو أي واحد من الأنبياء.
ويتفق الأستاذ أمين عز العرب مع اتجاهات الإمام محمد عبده والسيد محمد رشيد رضا فيقول: أستطيع أن أحكم أن كتاب الله من أوله إلى آخره ليس فيه ما يفيد نزول عيسى.
ويثير الأستاذ محمد أبو زهرة نقطة دقيقة حول الأحاديث السابقة فيقرر أنها ـ بالاضافة إلى أنها أحاديث آحاد وليست متواترة ـ لم تشتهر قط إلا بعد القرون الثلاثة الأولى، ويمكن ربط هذا بما ذكره السيد محمد رشيد رضا عن محاولات النصارى، فإنهم في خلال هذه القرون كانوا يحاولون إدخال بعض النصارى، فإنهم في خلال هذه القرون كانوا يحاولون إدخال بعض عقائدهم في الفكر الاسلامي بطريق أو بآخر بدليل أن هذه الأحاديث لم تشتهر في القرون الثلاثة الأولى مع ما وصلت له العقيدة الاسلامية من دقة وعمق في هذه القرون، ويختم الأستاذ محمد أبو زهرة كلامه بقوله إن نصوص القرآن لا تلزمنا بالاعتقاد بأن المسيح رفع إلى السماء بجسده، وإذا اعتقد أحد أن النصوص تفيد هذا وترجحه فله أن يعتقد في ذات نفسه ولكن له أن يلتزم ولا يُلزم.
ويقول الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي: ليس في القرآن نص قاطع على أن عيسى (ع) رفع بجسمه وروحه وعلى أنه حي الآن بجسمه وروحه، والظاهر من الرفع أنه رفع درجات عند الله، كما قال تعالى في إدريس: (ورفعناه مكاناً علياً) فحياة عيسى حياة روحية كحياة الشهداء وحياة غيره من الأنبياء.
ويقول الأستاذ عبد الوهاب النجار: إنه لا حجة لمن يقول بأن عيسى رفع إلى السماء لأنه لا يوجد ذكر للسماء بإزاء قوله تعالى: (ورافعك إليّ) وكل ما تدل عليه هذه العبارة أن الله مبعده عنهم إلى مكان لا سلطة لهم يه، وإنما السلطان فيه ظاهرا وباطناً لله تعالى، فقول تعالى (إليّ) هو كقول الله عن لوط (إني مهاجر إلى ربي) العنكبوت/ 26. فليس معناه أني مهاجر إلى السماء بل هو على حد قوله تعالى (ومَن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله..) النساء/ 100.
ويقول الأستاذ الشهيد سيد قطب عند تفسير الآية الأولى من الآيات الثلاث السابقة: لقد أرادوا قتل عيسى وصلبه، وأراد الله أن يتوفاه وفاة عادية ففعل، ورفع روحه كما رفع أرواح الصالحين من عباده، وطهره من مخالطة الذين كفروا، ومن البقاء بينهم وهم رجس ودنس.
ونجيء الآن إلى الباحث الأستاذ محمد الغزالي وله في هذا الموضوع دراسة مستفيضة نقتبس منها بعض فقرات بنصوصها:
ـ أميل إلى أن عيسى مات، وأنه كسائر ا لأنبياء مات ورفع بروحه فقط، وأن جسمه في مصيره كأجساد الأنبياء كلها: وتنطبق عليه الآية (إنك ميت وإنهم ميتون) الزمر/ 30، والآية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) آل عمران/ 144، وبهذا يتحقق أن عيسى مات.
ـ ومن رأيي أنه خير لنا نحن المسلمين وكتابنا (القرآن الكريم) لم يقل قولاً حاسماً أبداً أن عيسى حي بجسده، خير لنا منعاً للاشتباه من أنه ولد من غير أب، وأنه باق على الدوام مما يروج لفكرة شائبة الألوهية فيه، خير لنا أن نرى الرأي الذي يقول إن عيسى مات، وإنه انتهى، وإنه كغيره من الأنبياء لا يحيا إلا بروحه فقط، حياة كرامة وحياة رفعة الدرجة.
ـ وانتهى من هذا الكلام إلى أني أرى من الآيات التي أقرؤها في الكتاب أن عيسى مات، وأن موته حق، وأنه كموت سائر النبيين.
ويثير الأستاذ صلاح أبو إسماعيل نقاطاً دقيقة تتصل بالرفع فيقول: إن الله ليس له مكان حسي محدود حتى يكون الرفع حسياً، وعلى هذا ينبغي تفسير الرفع على أنه رفع القدر وإعلاء المكانة، ثم إن رفع الجسد قد يستلزم أن هذا الجسد يمكن أن يَرى الآن وأنه يحتاج إلى ما تحتاج إليه الأجسام من طعام وشراب ومن خواص الأجسام على العموم، وهو ما لا يتناسب في هذا المجال.
وأحب أن أجيب على مَن قال إن في مقدور الله أن يوقف خواص الجسم في عيسى، بأن إيقاف خواص الجسم بحيث لا يُرى ولا يأكل ولا يشرب ولا يهرم .. معناه العودة إلى الروحانية أو شيء قريب منها، وذلك قريب أو متفق مع الرأي الذي يعارض رفع عيسى بجسمه.
وبعض الناس يقولون إن عيسى رفع بجسمه وروحه، فإذا سئلوا: إلى أين؟ وما العمل في خواص الجسم؟ قالوا لا نتعرض لهذا. وهو رد ليس ـ فيما نرى ـ شافياً.
ونعود إلى الأستاذ صلاح أبو إسماعيل الذي يتساءل قائلاً: إذا كان رفع عيسى رفعاً حسياً معجزة، فما فائدة وقوعها غير واضحة أمام معاندي المسيح (ع) وجاحدي رسالته؟ وأنا أعتقد (الأستاذ صلاح أبو إسماعيل) أن كلمة (متوفيك) تعني وعداً من الله بنجاة عيسى من الصلب ومن القتل كما وعد محمداً عليه الصلاة والسلام بأن يعصمه من الناس.
المصدر : مقارنة الاديان

(0) تعليقات
الاسلام والغرب.. من الاحتكاك إلى الاختراق

الاسلام والغرب.. من الاحتكاك إلى الاختراق

* حسن السعيد
منذ عودة الاسلام إلى المسرح السياسي، واستئناف دوره الميمون.. والعديد من الدوائر المعنية بادارة الصراع منشغلة ـ إلى حد الانهماك ـ بتسخين قضايا سبق وأن سجلت حضورها في تاريخ الفكر، وخاصة على مدى القرنين الأخيرين.
وبديهي، أن ينصب الاهتمام حول علاقة الشرق بالغرب، أو بعبارة أدق: علاقة الغرب بالاسلام، إذ ما يزال الجدل محتدماً، حول هذه النقطة، مع ضرورة التذكير أن هناك جهات معلومة، وأخرى خفية تحاول دفع الأمور إلى مديات مخيفة من التصعيد، والتعقيد، فالتصادم.
وليس بخافٍ، ان التلاقي بين الاسلام والغرب ـ بما هما نموذجان حضاريان ـ قد خضع لقاعدة الهجوم والهجوم المضاد المباشرين، على خارطة واضحة المعالم، وفي فترات زمانية غير متباعدة نسبياً.
على أن من الواضح تماماً، أن الغرب لم يكن هو التحدي الأول الذي واجه الاسلام وإن كان ذلك لا يعفينا من الاعتراف بأنه الأخطر. فلقد مرت فترات من الخطر الشديد ـ كما يقول برنارد لويس ـ كان الاسلام مهدداً فيها، في الوقت نفسه، من الشرق والغرب، غير أن الاسلام تغلب عليها، واجتازها دون أن يتأثر. جاءه الأتراك غزاة فاتحين، فتحولوا إلى مسلمين مؤمنين، وتمثلهم المجتمع الاسلامي الكبير، فانصهروا في بوتقته، وكانوا هم أنفسهم من أقوى أعمدة الاسلام التي أقامت مجتمعاً متدهوراً كاد يفنى اجتماعياً وسياسياً. وبهذه القوة والحيوية تمكن الاسلام من الصمود، بل من دحر غزوات أعدائه الصليبيين الذين جاءوه من الغرب.
ثم واجه الاسلام، بعد ذلك، ضربتين، أشد وأقصى وأحدث وأخطر فلقد سُحق الشرق الاسلامي مرتين، واحتله الغزاة الأجانب الذين سيطروا عليه بقوة السلاح. وعلى الرغم من أنهم لم يستطيعوا تحطيم حضارته الاسلامية القديمة الأصول، فإنهم (لغّموا) ثقة الذين صانوا هذه الحضارة بأنفسهم، وهكذا حولوا وجهتهم نحو اتجاهات جديدة.
أولى هاتين الضربتين، كانت الغزو المغولي في أواسط آسيا، التي حطمت الخلافة القائمة، وأخضعت للمرة الأولى، منذ عهد النبوة، قلب العالم الاسلامي لحكم غير اسلامي.. أما الثانية فهي: تأثير الغرب الحديث.
والذي يبدو أن الضربة الثانية كانت أقصى وأشد خطراً من الأولى. فقد استطاع الاسلام بقوته الذاتية أن يؤثر في التتار (المنتصرين) ويجذبهم إلى ساحته، فتقع المعجزة الاسلامية، ويدخل التتار في دين الله أفواجاً، ويسجل التاريخ ـ مرة أخرى ـ اعتناق الغالبين دين المغلوبين.
أما الضربة الثانية، فما زال العالم الاسلامي كله يقاسي آلامها، ويعاني آثارها إلى اليوم. ومن نافلة القول أن نذكر بأن ذلك ما كان ليحدث، لولا وجود أسباب ودواع (منها الداخلية ومنها الخارجية)، وهي ما أطلق عليها المفكر الاسلامي (مالك بن نبي) ظاهرة (القابلية للاستعمار)، وفيما يخص الطرف الثاني من المعادلة فان طلائع المستعمر قد جاست ديارنا واطلعت على خبايانا، ومن ثم دخلت (بيت العنكبوت) ـ كما تسميه الجاسوسة البريطانية (غرترودبل) ـ لتتعرف على خيط فيه!
وهنا، نجد أنفسنا ملزمين باثارة التساؤلات المشروعة والملحة:
كيف تم ذلك الاختراق الكبير ومتى؟
وما هي الأساليب التي مكنت الغرب من التسلل إلى ديارنا؟
وماذا عن: الأهداف، والخلفيات، والأبعاد؟
ثم ـ وهذا مربض الفرس بالنسبة لمسار البحث ـ من هم أخطر اللاعبين في هذه اللعبة الكبرى؟
وما هي الطرائق التي تذرعوا بها، وتدرعوا فيها ـ متنكرين ـ كغطاء مناسب لمهماتهم السرية الكبرى؟!
ان بعض الجواب نجده في المانشيتات وهي تتصدر، اليوم، صفحات كبريات الصحف الغربية، وفي تعليقات نشرات الأخبار، وفي عناوين الندوات المتواصلة التي تنظمها ـ عاد ـ مراكز لابحوث الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بمراكز القرار، وفي تصريحات هذا السياسي اللامع، وتحليلات ذلك (الاستراتيجي) المرموق.. الخ والتي بجمعها ـ على تعدد مشاربها ـ هذا القلق المتزايد من امكانية أن يستأنف الاسلام مسيرته ثانية.
كما ونجده في هذا التخريب واسع النطاق، والتشويه المتضمن هذا التحقير المستمر المذهل للاسلام كمنظومة من منظومات الإيمان، باعتراف أحد كبار الخبراء الذين تعتمدهم أوساط الغرب الأكاديمية وهو البرت حوراني.
ونجده أيضاً في تعامل الخبراء الأكاديميين الغربيين المتخصصين في الاسلام مع الاسلام، إذ تناولوا ـ وما يزالون ـ في الغالب الأعم، هذا الدين وثقافاته المتنوعة ضمن اطار ايديولوجي اصطنعوه، ا, هو اطار مقرر ومحدد ثقافياً، اطار مفعم بالانفعالات العاطفية والتحيز الدفاعي، بل بالاشمئزاز أحياناً، وقد جعلت هذه الخلفية ـ أو هذا الاطار ـ فهم الاسلام أمراً عسير المنال.
ونجده ـ على أرض الواقع ـ في هذا (التدافع الحضاري) ـ كما يحلو للبعض تسميته ـ هنا وهناك، فمن الاعتداءات المتكررة على الجمهورية الاسلامية ومذابح الابادة الجماعهية لمسلمي البوسنة، إلى مثيلاتها في الشيشان، وصبرا وشاتيلا، وآسام، وعاصفة الصحراء وتداعياتها المرعبة.. وأخيراً وليس آخراً في (قانا) آخر الأدلة الثبوتية على ضلوع الغرب في خطة التآمر على الاسلام، وفي اللحظة التي ينطلق فيها صوت (من داخل الغرب) يتحدى مؤامرة الصمت هذه، تصبح الايديولوجية والأصول العرقية هي الموضوع الرئيس حيث تنهال عليه شتى التهم، ويعرّض إلى ضغوط هائلة وارهاب فكري، من قبيل ما يتعرض له اليوم المفكر الفرنسي المسلم (رجاء غارودي) في أعقاب نفيه حصول مجازر ضد اليهود في كتابه الأخير (الخرافات التي ترتكز عليها السياسة الإسرائيلية). وقد وصف (غارودي) الهجمة الشرسة التي تستهدفه قائلاً: (ما أتعرض له الآن أشبه بعلميات الشنق (في الأشجار دون محاكمة) التي كانت سائدة في أميركا زمن رعاة البقر).
كل هذا يجري في عالم الغرب، في الوقت الذي يدير فيه هذا الغرب عينيه وبلا مبالاة، إن لم يكن بشماتة، عما يدور من مجازر، يندى لها جبين البشرية، على بعد خطوات من قلب أوروبا ونعني بها الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية في البوسنة.
والواقع ـ حسب ادوارد سعيد ـ أنك لا تجد شيئاً في دراسة الاسلام (حرّاً) ولا تقرره الضغوط الملحة المعاصرة.. وما أبعد هذا عن الموضوعية غير السياسية التي يزعمها كثير من الباحثين المستشرقين فيما يقومون به، فضلاً عما تعنيه هذه الصورة المختزلة للاسلام من دلالات وخلفيات، وتلا ذلك، تكمن عاقبة أخرى في استمرار الاحاطة بمعنى الاسلام أو رسالته وتطويقه وقولبته.
نعم، إن هذا (بعض الجواب) ـ كما ذكرنا ـ أما ظلال الجواب ـ على صعوبته غير اليسيرة ـ فيمكن تلخيصه بما يقوله الدكتور سمير سليمان: (ان محاولات تطويق الشرق الاسلامي لابتلاعه بالقوة، واستغلال ثرواته، ونقض مشروعه الكوني، وتخريب أصوله بعد استهلاك انجازاته الحضارية. ان هذه المحاولات، ليست من المستحضرات الايديولوجية المتأخرة زمانياً، بل هي مشروع قديم أنجزت وعوده الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى).
ولو حاولنا تتبع كل خيوط هذه المؤامرة، أو ما يعبّر عنها بنظرية التواطؤ الكبرى، فإن ذلك فوق الطاقة، فضلاً عن أنه يحتاج جهداً ووقتاً، لا نملك من مستلزماتها ما يكفي لانجاز هكذا مشروع واسع، وحتى لو توافر هذان العاملان، وما سبقهما، فان عقبة كأداء تحول دون المضي في إنجاز المشروع على أتم وجه، بسبب أن الكثير من ملفات الاختراق الغربي للمشرق الاسلامي لم يُسمح حتى الآن بالاطلاع عليه، رغم مرور الزمن الطويل عليه. ان ذلك يعتبر من الأسرار الاستراتيجية العليا، التي لا يمكن ـ بأية حال ـ التفريط بها، أو التهاون في التعاطي معها. ولكن ذلك، لا يثنينا من المضي في تسليط بعض الأضواء الكاشفة على عملية (الاختراق) تلك. ومما لا يخفى على الباحثين والدارسين أن الصرح الشامخ للمسيرة الاسلامية قد تعرض لكثير من الأعاصير التي فتحت العيون على وجود تشققات وتصدعات في بنيانها الضخم، ونبعت بهذا القدر أو ذاك من النمط المجتمعي الاسلامي بكل ما حمله في داخله من صراعات.. وما خاض مع خارجه من معارك، وما عرفه من اختراقات، وما مارسه من كفاح ضد هذه الاختراقات، ولعل ما شهده القرن التاسع عشر والقرن العشرون، من اجتياح صليبي واسع النطاق، هو آخر ما شهده المجتمع الاسلامي، من مواجهات تسببت في انقطاع مساره التاريخي، في كل الميادين، وفي مختلف أنماط الحياة، حيث عكف المستعمر على تفتيت وحدة الأمة وتمزيق جسدها الواحد إلى أجزاء، على أساس يقترب غالباً من كياناتها التي سبقت مجيء الاسلام، وطفق يزرع فيها نمطاً اجتماعياً اقتصادياً (حديثاً) تدعمه دولة التجزئة من أجل قطع الصلة أو التواصل بالنمط المجتمعي الاسلامي.
- الاختراق الحضاري:
انه الغزو المتعدد الجبهات، والمتنوع الأنماط: عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً.. وفكرياً. بمعنى أنه اختراق حضاري وليس أمنياً، أو سياسياً، كما يبدو لأول وهلة! ولا ريب في أن الاحتلال العسكري، والتحكم السياسي، والنهب الاقتصادي اجراءات أساسية في فرض السيطرة الاستعمارية، لأن الغرب ما كان باستطاعته أن يُحكم قبضته على بلاد العرب والمسلمين إلا من خلال العنف العسكري بداية، ثم إحكام السيطرة السياسية والاقتصادية، ولكن ذلك ما كان كل شيء، لأن قادة الغرب من سياسيين ومفكرين ومنظرين أدركوا أن إحكام تلك القبضة، يتطلب ما هو أبعد وأعمق وأقوى. لقد أدركوا أن الأمر يتطلب تحطيم أسس المقاومة الداخلية واقامة أسس لتبعية دائمة وقيمة.
تلك هي أبرز ملامح المؤامرة ـ الغزو.. ولعل من أخطر وسائلها القديمة ـ الجديدة اليوم، إنما تكمن في محاولات الاختراق للمؤسسات الاسلامية، ومواقع العمل الاسلامي، ومحاولة الانحراف بها من الداخل، لاخراجها من الاسلام، أو لحملها على ممارسات تشوه صورتها.. ولقد تبين أن طرح القيم الثقافية والسياسية في بلاد المسلمين كان لوناً من الغزو، لتحيق العمالة الحضارية، والثقافية، التي تمكن وتقود للعمالة السياسية.. ومحاولات هذا الاختراق الثقافي، ستبقى دائمة ومستمرة.
تلك هي حكاية الاختراق، والتي لعب فيها الاستشراق دوراً بارزاً في تشكيل اطار ابتدعته العواطف والأهواء والانحياز والمصالح السياسية. ومن هنا لا يعده بعض الباحثين بأنه أشد انحيازاً من غيره من العلوم الانسانية والاجتماعية وحسب، بل إنه مؤدلج ملوث بأدران العالم.
وهكذا كان (البناء الاستشراقي)، في بعض مجالاته، حصيلة ونهاية لصدام الغرب مع الشرق، وهو مزيج من العداء السياسي والكراهية.. ان الرحالة والمستشرقين كانوا مقتنعين بانتماءاتهم إلى امبراطوريات استعمارية.. والاستشراق نوع من الارتباط المصلحي بين كتاب أفراد وبين مؤسسات استعمارية، طموح لمعرفة الشرق، من أجل امتداد تلك الامبراطوريات إلى ما وراء البحار.
وخلاصة القول: ان قوى الغرب الاستعمارية، كانت كالانسان الذي يعمل على فتح شهيته للطعام عبر عملية (القضم والهضم والضم) فلابد من مقبلات، ولم يكن جيش المستشرقين وكتاباتهم سوى تلك المقبلات التي فتحت شهية الاستعمار الغربي في بلادنا، أو بالأحرى (جهاز الرصد المتقدم للادارة الاستعمارية التي هي صاحبة مصالح ومطامع حقيقية في المنطقة الاسلامية).
- بدايات التعرف على الشرق:
في هذا السياق، بدأ الغربيون بالتدفق صوب المشرق الاسلامي، وبشكل تصاعدي ملحوظ.. وخاصة منذ النصف الأول من القرن السابع عشر، حيث شهد عدداً متزايداً من العلماء، والتجار، والرحالة الذين اهتموا بالمشرق الاسلامي. وقبل أن يمر وقت طويل حتى توافد إلى الشرق عدد كبير من الرحالة والكتاب والشعراء والرسامين والمصورين والمغامرين والعملاء الأوروبيين لا يمكن ذكرهم جميعاً هنا.
ومنذ القرن الثامن عشر، بدأ في تاريخ الريادة إلى شبه جزيرة العرب ما يمكن أن يسمى بالريادة الحقيقية، بكل ما في الكلمة من معنى، وكانت أهداف رواد هذه الفترة متعددة متباينة: فبعضهم كانت أغراضه سياسية، وبعض آخر كان من عشاق المغامرات.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع تزايد قوة أوروبا، وفي ظل تألق العصر الفيكتوري (نسبة إلى الملكة البريطانية فيكتوريا 1819-1901م والتي حكمت انكلترا منذ عام 1838م) تزاحمت، في الشرق، حملات واسعة النطاق، مؤلفة من مجموعات من الجامعيين، ورجال الأعمال والعسكريين، والموظفين، والمرسلين المبشرين، والفنيين والمغامرين.. الخ حيث انجذب العديد من هؤلاء إلى حياة الشرق الساحرة، وإلى أفق الصحراء الواسعة، وحياة البدو الحرة، وكأن الشرق (اكتشاف) جديد لديهم!
بعضهم جاء يبحث عن الغريب والطريف. وبعضهم عنا لحقيقة والحرية، وبعضهم عن الآثار ومعالم الكتاب المقدس. منهم مَن حمل النوايا التوسعية، وعمل لحساب حكومته. ومنهم مَ، جاء فقط يبحث عن المنطق.. تدفق لم يتوقف في القرون الماضية، خصوصاً في القرن التاسع عشر، لاستكشاف هذا الشرق القريب والبعيد في آن معاً: قريب في المسافة (إذا قورن بالهند والسند) وبعيد في عاداته وأعرافه وأنماط حياته وطبيعته.
لقد جاب العديد من هؤلاء (رجالاً ونساء) مناطق مختلفة، خلال مراحل مختلفة. وقام بعضهم بنشر الصور عن الأمكنة، التي زارها، وفي بضع الحالات عشقها ومات فيها.
ثمة ظاهرة مثيرة ولافتة للنظر، في الوقت نفسه، وقد رأينا تصاعد وتائرها، في القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن العشرين، تلك هي تظاهر عدد لا يستهان به من الغربيين الذين جاسوا الديار (وقد استوطن بعضهم فيها سنين عديدة) بالاسلام، وأطلقوا على أنفسهم أسماء اسلامية صارخة، فيما مكث قسم منهم في بيت الله الحرام بضع سنين، وانضوى قسم آخر إلى أروقة الأزهر والنجف، أما الباقون فقد توغلوا في عمق الصحراء، ودخلوا إلى (بيت العنكبوت) ـ كما تقول المس غرترودبل ـ ليتعرفوا على كل خيط فيه، إن لم يتمكنوا من النفوذ إلى ما تحت طبقات الابهام، على حد تعبير ادوارد سعيد.
وحيال هذه الظاهرة، تفاوتت الآراء، وتباينت الأحكام على النوايا الحقيقية الكامنة وراء اعتناق هؤلاء الاسلام. فهناك مَن يُحسن الظن بهؤلاء، وربما يشيد بهم، لأنهم أشهروا اسلامهم، ويعد ذلك إحدى (مناقبهم) المعتبرة.
وفي قبال ذلك، هناك مَن يشكك بهؤلاء، وينثر علامات الاستفهام على امتداد خطواتهم، منطلقاً وغايات، ولن يتردد لحظة عن اتهامهم بأنهم كانوا منغمسين في مهمات سرية، من قبيل تلك التي يطلق عليها (عملية اختراق)، خاصة وان جل هؤلاء كانوا خبراء شرقيين، أرسلوا إلى الشرق عملاء للامبراطورية (البريطانية)، وأصدقاء للشرق، وصائغين لبدائل سياسية بسبب معرفتهم الحميمة الخابرة للشرق والشرقيين.
- النوايا الخفية:
وأياً كان الموقف النهائي ازاء هذه الظاهرة، وأياً كانت الحقيقة التي تكمن وراءها.. فإن من نافلة القول، أن نذكر بأن الخوض، في مثل هذه المحاولة، لا يخلو من مصاعب ومتاعب!
فإن المهمة أو قل المهمات التي انبرى لها هؤلاء (سواء أكانت المعلنة أو الخفية) ما يزال يكتنفها شيء غير يسير من الغموض، إذ لم يصلنا من تفصيلاتها سوى الجزء الطافي، فيما لا يزال جبل الجليد غاطساً! وحتى هذه اللحظة، بعد مرور عدة قرون، على الشروع بتلك المهمات!
وفي حدود علمنا، ليست هناك دراسة جادة مستقلة عن الموضوع، وكل ما هو موجود فعلاً إشارات عابرة ومتناثرة، هنا وهناك، لا تسمن ولا تغني عن جوع، فكان لزاماً جمع هذا الشتات، وإن كان الكثير منه، يختلف في الاتجاه العام، بيد أنه يصب، في النهاية، في مادة البحث.
إذن، الدراسة بكر، في هذا الاتجاه، وإن كانت هناك محاولة فإنها قد تطرقت إلى الموضوع بشكل عابر، ولم تجد نفعاً كبيراً.
وربما يُثار، هنا تساؤل: لماذا هذا النبش في القبور.. وقد تجاوز الزمن أمثال هذا الطراز من الموضوعات؟! وأي جدوى من وراء (نفض الغبار) عن ملفات أولئك المغامرين الغربيين، بعد كل هذه المدة المنصرمة، وهم يجوبون ربوع الشرق الاسلامي وفيافيه، ويخوضون تجربة فيها من المغامرة الشيء الكثير، ومن المهمات السرية الشيء الأكثر.. على أن ذلك كله أمسى في ذمة التاريخ.. والدنيا ـ ونحن نطرق بوابات القرن الحادي والعشرين ـ هي غير الدنيا ـ أيام العصر الفيكتوري!!
ورغم وجاهة التساؤل، بيد أن ما نريد تأكيد هو: ان مغامرات هؤلاء.. شملت رقعة جغرافية واسعة، من برلين إلى صنعاء، ومن دمشق إلى باريس، ومن بغداد إلى لندن، ومن جدة إلى موسكو، ومن فينا إلى بيروت. مسرح واسع لعب فيه كل هؤلاء الناس لعبهم بشروط لا تختلف كثيراً عن شروط اليوم، وإن كانت أكثر إثارة وخطراً. إلا أن أهم ما فيها، هو أن ما بدأه هؤلاء المغامرون الأوروبيون، قبل نحو قرنين، ما زال مستمراً في بلادنا إلى اليوم بأسماء جديدة، وللأهداف القديمة نفسها، كما يؤكد ذلك كاتب علماني عربي.
وعليه، قد يخطئ مَن يظن أن عصر الاكتشاف الأوروبي للعالم القديم قد انتهى، بعد أن أصبحت جميع الأمور واضحة جلية، وبعد أن تطورت وسائل الاتصالات والمواصلات. فالشعوب والحكومات يلتقي بعضها مع بعض في العديد من المناسبات، والعالم مفتوح على الجميع، ولكن التطور العلمي لا يعني بالنسبة للغربي معرفة كل شيء عن شعوب الشرق وعاداتهم. ولا يعني كذلك أن عامل الاثارة قد اختفى ليكف المغامرون عن خوض غمار البحث عن خفايا الشرق. وهو في النهاية لا يعني انتهاء المصالح، بل ازديادها وتشعبها وتواصل جذورها.
إن الشرق ما زال ملفوفاً بالغرائب والأسرار بالنسبة للغربيين، وان قصصاً وأساطير عديدة تُصاغ عنه، تدفع العديدين إلى تحمل مشاق البحث، ومخاطر التوغل في أعماق الشرق، لتكون باكورة الأعمال أدباً شيقاً، وملاحظات عميقة، ونظرات ذكية للتاريخ وواقع الحياة الشرقية بل لطبيعة العلاقة بين الشرق والغرب. وقد لا تختلف وسائل النقل، في القرون الماضية، عن الوسائل التي يستعملها مغامرون شباب أو كهول، في سبيل البحث عن الشرق. ولكن الغالب على أدب الرحلات الغربي، في وقتنا الحاضر، هو سرعة الحركة وسرعة الملاحظة.
ولدينا كتابان من هذا الأدب صدرا بالانجليزية مؤخراً، فالأول عنوانه: (سيراً على الأقدام إلى القرن الذهبي: مشياً إلى اسطنبول) لمؤلفه (جيسون كودوين) والثاني (ما وراء آرارات: رحلة في شرقي تركيا) لمؤلفته (بتينا سلبي) والمؤلفان من الرحالة البريطانيين المرموقين، فكلاهما زار جنوبي شرقي آسيا وجنوبها، وكتب عن الرحلات في هذه البلاد، وكلاهما يمتلك خلفية تاريخية (بالنسبة لكودوين) ودينية (بالنسبة لبتينا الحائزة على درجة علمية في الأديان) بالعالم الاسلامي. والأول زار أوروبا حتى تركيا سيراً على الأقدام، والثانية زارت تركيا، في محاذاة البحر الأسود، حتى آخر نقطة من شرقها، بدراجة هوائية.
وهنا بودنا أن نتساءل عن طبيعة هذا النمط الجديد من (الرحلات)، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار خلفية المؤلفين (التاريخية والدينية) والعلاقة بينهما وبين رحلتين شاقتين: إحداهما كانت سيراً على الأقدام.. والثانية بدراجة هوائية!!
وفي كل الأحوال، تبقى هذه الاثارة صفحة مثيرة، ينبغي التوقف عندها، لقراءة سطورها الأخيرة، التي تجرعنا من ثناياها مرارة الكأس، حتى الثمالة. وما زلنا نغص بعلقم ثمارها المرة، ونحس جميعاً بوطأتها الثقيلة. عبر هذه المواجهة الضارية (الخفية تارة والسافرة تارة أخرى) مع الصليبية الجديدة. لذا فان قدراً من المراجعة الواعية لما حدث ـ وما يزال يحدث في ديارنا ـ لهو ضرورة أمست ملحة، وعلى غاية من الأهمية، لكي نضع أقدامنا بشكل واثق، ونحن نستعيد خنادقنا، في هذه المواجهة الضارية (التي يستأنفها الغرب ضدنا، رامياً بكل ثقله المادي والمعنوي بالاتجاه المضاد لعرقلة الحالة الاسلامية وتدجينها ومن ثم إجهاضها)..ومن ثم لنستبين خطانا في التحرك المأمول.
إن مشهداً خلفياً لذيول تلك المؤامرة الكبر ى، الدائرة منذ عشرة قرون، نلحظها في الوقت الراهن عبر هذا التحالف (غير المقدس)، بين قلاع الصليبية الجديدة، متمثلة بوكرها اللاهوتي (الفاتيكان) وما يقوم به البابا (يوحنا بولس الثاني) من نشاط مسعور، لضرب الاسلام والمسلمين، بالتنسيق والتواطؤ مع زعيمة الاستعمار الجديد (أميركا) ومخابراتها المركزية، دون التقليل من أهمية التقارب الحاصل بين الصليبية (بشقيها البابوي والعلماني) وبين الصهيونية العالمية. (الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة كل الحقد المتراكم عبر قرون مديدة، بكل ما حفلت به من عدائية، ومكر، واختراق، وتشويه، وإسقاط.. في غمار (اللعبة الكبرى) بكل قواها الفاعلة وأهدافها ومراميها ورهاناتها..
على أن الصورة تبقى مشوشة. مبهمة. ما لم نعمد إلى لململة أجزائها المبعثرة، وهذا ما يستدعي أن نواكب اللعبة أو قل بعض فصولها ومقاطعها المفصلية، ولو بشكل سريع، من بداياتها ومقدماتها المنهجية، حتى نهاياتها ونتائجها المحسومة. كل ذلك ضمن اطار سياقاتها التاريخية، وما قام به لاعبوها الكبار والصغار وهو ما نتركه لدراسات قادمة إن شاء الله

(0) تعليقات
العرب (عَرَبان)

د. محمد عبدالرحمن مرحبا
العرب (عَرَبان)

إن عرب ما قبل الاسلام هم غير عرب الاسلام. لذلك فالعرب (عَرَبان) إذا صح التعبير. فإن عرب ما قبل الاسلام ليسوا في نظري هم نفس العرب بعد أن غزا الاسلام مشاعرهم ووجداناتهم واتخذوا منه منهجاً وفكراً وسلوكاً وعقيدة. لقد تبدل القوم غير القوم، فأصبحوا وقد اعتنقوه شيئاً آخر لم يكونوه من قبل، هذا مع ان هياكلهم العظيمة وجميع مقوماتهم البيولوجية والفسيولوجية والوراثية لم يطرأ عليها تغيير يُذكر.
ان الفرق بين (العَرَبَيْن) هو فرق في ثروة الأفكار وثورة الأفكار، كالفرق بين إنائين أحدهما فارغ والآخر ممتلئ أو شيء من هذا القبيل، أو كالفرق بين بئر معطّلة أصبح ماؤها غوراً، وبئر تفجرت عيوناً ينبجس منها ماء معين. هل يستويان مثلاً؟ لكن على حين أن الفرق بين البئر المعطلة التي جف ماؤها والبئر التي يتدفق منها الماء وينساب جداول وأنهاراً يُدرك بالعين الباصرة، فإن الفرق بين (العَرَبَين) لا يدركه إلا بعض البصائر النادرة. بل هيهات أن يدركه إلا بعد الكثير من الفحوص والتحليلات القادرة. فعرب الاسلام هم عرب ما قبل الاسلام بحكم بادي الرأي والسحنة الظاهرة، ولكنهما عالمان مختلفان أحدهما أرض قفر والآخر واحات عامرة. هكذا تفعل الأفكار في العقول السادرة!
لقد نفذ الدين الجديد إلى الأغوار العميقة، التي ينتهي عندها فعل البيولوجيا ويبدأ فعل السيكولوجيا. هنالك يُصنع الانسان وهنالك يكمن جوهر الانسان وهناك تتبلور حقيقة الانسان. هنالك لا تجدي قوانين البيولوجيا ولا تغني عن أصحابها شيئاً، مهما ابيضّت وجوه ومهما اسودّت وجوه، ومهما اتسعت أحجام الجماجم أو ضاقت، ومهما كانت فئة الدم، ومهما صفت أو اختلطت بغيرها من الدماء. لقد تغلغل الاسلام في أغوار، ومسّ شغافاً، ووصل إلى تخوم وأبعاد هيهات أن تبلغها البيولوجيا والفسيولوجيا، إنها من حيِّز السيكولوجيا لا شريك لها فيه ولا نديد. فوريت الزناد، وتفجرت الطاقات، وظهرت الآيات البينات! ولم يكن ذلك لمزية في العرب لم تسنح لغيرهم من الأمم والشعوب. وإلا وقعنا في عنصرية بغيضة طالما نددنا بها وأعلنا النكير عليها.
وسنرى إلى أي حد لم يكن العرب الجاهليون هم أنفسهم عرب الدعوة. الناس هم الناس إذا أردت ظاهر الناس، ولكن الناس غير الناس إذا أردت حقيقة الناس: الرؤى غير الرؤى، والتطلعات غير التطلعات، والتبعات غير التبعات، والآمال غير الآمال، وكذا الأهداف والغايات والحقوق والواجبات، وكذا النظر إلى الكون والانسان والحياة وما بعد الممات.. هذا هو الانسان وهذا هو ما يختلف فيه الانسان عن الانسان حتى الأخوين التوأمين يختلفان في الرؤى والأحلام والنظر إلى خالق الأكوان، فما ظنك بالأباعد من بني آدم المختلفين في الزمان والمكان؟ الأجسام هي الأجسام وعالم الأعيان هو عالم الأعيان، ولكن الخلاف إنما يكمن في عالم الأذهان، أفتشككون بعد هذا فيما طرأ على تاريخ شبه الجزيرة العربية في صدر الاسلام من أطوار وتطورات، وتساوونه بتاريخها فيما خلا من الدهر وفات؟ لعمري وعمرك إنها لإحدى الكبريات! مسافات شاسعة تفصل بين الناس والناس وتفرق بين الناس والناس. إلا شتان بين الناس، ناس بلا أهداف ولا غايات غير غزو الناس للناس، وافتعال المعارك مع الناس، وإثارة النعرات وتبديد شمل الناس للناس، في سبيل لقمة الخبز وتأمين معيشة الناس وتحقيق الحاجات المادية العاجلة للناس ـ وناس تبدلوا غير الناس، وتبدلت معهم الأهداف والغايات والمثل، هكذا هكذا يكون الناس، وإلا فبطن الأرض خير من ظهرها لهم ولسائر الناس. فبئس الناس قبل ثورة الناس، ونِعمَ الناس ونعَمتْ ثورة الناس! وهجمت الأفكار والمبادئ واقتحمت عرين الناس، وعقدوا الرهان عليها وصحت عزيمة الناس، وجاءت المهمات والتبعات والحقوق والواجبات لتقويم إعوجاج الناس وتصحيح مسيرة الناس وملء فراغ حياة الناس وأعقبتها الآمال والأحلام والوعود لتمد في حياة الناس، وتكثف وتغني وتعمق وجود الناس، ولتزيد كذلك في أحجام الناس، وتمنحهم أبعاداً وتفتح لهم آفاقاً وعوالم لم تخطر على بال الناس، وتستبدل بما رثّ وهان ما يحيي ويجدد نشاط الناس، ويفجر المواهب والطاقات المستكنة في أعماق الناس، ويشحن القوى والمشاعر بكل ما يستجيش حوافز الناس. تالله هنا يكمن السر في بينونة الناس عن الناس! الأرض هي الأرض والأجسام هي الأجسام والمناخ هو المناخ ولكن الناس ليسوا الناس! أرأيتَ كيف يختلف الناس عن الناس؟ هكذا تفعل الأفكار في الناس إذا اخترقت وجدان الناس وأعمق أعماق كيان الناس، لتغير ما بالناس وتجعل الناس غير الناس!!
إن هذا لا ينطبق على (العَرَبَيْن) فقط، عرب ما قبل الاسلام وعرب الاسلام، بل هو ينطبق أيضاً على عرب اليوم وعرب الأمس. ما الفرق بينهما؟ هناك أيضاً (عَرَبان): عرب يتسكعون في الطرقات وعرب يبنون الطرقات، عرب فرحوا بما أوتوا ورضوا بالقعود، وعرب انتفضوا وأبوا إلا التحليق ومطاولة النجوم! عندما كنا صناع أفكار حفظنا الذمام وحفظنا الديار، وعندما فرّطنا في الأفكار انتهكت الذمام وانتهكت الديار. فإنما الفرق إذن فرق في القدرة أو عدم القدرة على صناعة الأفكار. ولا يقتصر ذلك على العرب وحدهم، بل هو يسري كذلك وبالمقدار ذاته ـ على جميع الأمم والشعوب التي كانت ثم صارت. ما الفرق بين البرابرة جرمان الأمس وأخلافهم الألمان الحاليين؟ قوم بربرتهم خصاصة الأفكار واشتدت بهم فاقة الأفكار، وقوم عرتهم رعشة الأفكار وهذبت طباعهم الأفكار، حتى غدوا من أرباب الأفكار!
إيتوني بأي فرق يذكر في السحنة أو الأرض أو العرق أو المناخ بين الفايكونغ القدماء وبين أحفادهم الاسكنديناف الحاليين غير فرق شح الأفكار وغزارة الأفكار. لقد مسختهم قلة الأفكار ثم بعثتهم وفرة الأفكار. أسطورة أصبحت حقيقة واقعة بفضل الأفكار وفائض الطاقة أنتجتها مكتشفات الأفكار. لقد امتلأ الرأس فامتلأ الجيب فدبت العافية، فتبدلت أشكال الحياة. هذه هي القصة من أولها إلى آخرها. الاقتصاد لا يصنع صاحبه، صاحبه هو الذي يصنعه، ثم يرتد أثر الصنعة على الصانع. انه لا يصنع صاحبه ولا يرتد أثره على صاحبه إلا بعد أن يصنعه صاحبه، وهو لا يصنعه إلا إذا صح عقله، واكتملت مواهبه وتفجرت طاقاته، وكان مثلاً يحتذى في ضخ الأفكار وصناعة الأفكار. فجميع الطرق تؤدي إلى الأفكار فإذا كنت تملك أفكاراً فقد ملكت العالم..
* * *
وغنيّ عن البيان أن هذه التغيرات الشاملة لا تنطبق فقط على اليونان والعرب والألمان والاسكنديناف وحدهم، وإنما هي تنطبق أيضاً على جميع الأمم والشعوب في كل زمان ومكان، على تفاوت في ذلك بطبيعة الحال، تبعاً لقوة الأفكار المجتاحة واللحظة التاريخية التي حصل فيها الاجتياح. فالبشر إنما هم أوعية متحركة بالأفكار، أي مجموعة من المعاني والرموز والهموم والهواجس والمخاوف والأوهام والأخيلة والمثل والمقاصد والغايات تثيرهم وتغزو مشاعرهم. الأفكار كالسهام، فإن الفرد عندما تعروه فكرة في حالات معينة من الإشراق والتنبه واليقظة والإثارة والانفتاح ـ ولا سيما في عصور التحول ـ فان ثورة حقيقية تنشب في رأسه. لقد اتخذت هذه الفكرة طريقها في المفاوز والأدغال ومضت إلى الشغاف حيث تفعل الأفاعيل. لقد نفذت إلى الأغوار السحيقة حيث الحل والعقد وحيث يُصنع القرار. فتختل توازنات وتتزعزع ارتباطات وتُدك حصون وتُشق مسارب ودروب تتيح للفكرة الجديدة أن تستقر في قرار مكين. وهناك تفعل فعلها بعد أن تُدرس وتمحص وتقدم تقارير وافية عنها من قبل خبراء مختصين بشحنات الأفكار فيحيلونها على الأجهزة الفنية في الدماغ، وهي الأجهزة المسؤولة عن تنفيذ ما يتخذ من قرارات وتوصيات. انسان جديد ـ أو يكاد ـ برز إلى الوجود. والأمر مرهون بقوة الفكرة الجديدة وحجمها وقدرتها على الصيال والنزال، حتى تشق طريقها إلى مستقرها بين لداتها وأترابها من الأفكار وأشباه الأفكار. لقد دخلت في نظام جديد من الأفكار وعلاقات جديدة، فسرى إليها من هذا النظام نصيب، كما سرى إليه منها نصيب، وتفاعلت عناصر البناء كله واختلط النصيب بالنصيب، وغلب أحد النصيبين النصيب. وكل ذلك يتوقف على طابع الفكرة المهاجمة وطبيعتها ومكانها في النظام العام المتفجر أو الرتيب، وبيئتها العقلية الجديدة وما تعج به في كل علم عجيب، وعلائقها مع غيرها من الأفكار وجملة البناء الفكري المهتز العصيب. لقد عرفت طريقها وموقعها من تلقائها بنظام محكم فذ أريب، يستوقف النظر ويحير العقل الفطن اللبيب. لقد دالت أفكار وتشتت أفكار، وتولدت أفكار، وأجهضت أفكار واشتعل اللهيب، ووضعت الحرب أوزارها أخيراً وفتر اللهيب، وفي كل يوم يتجدد لهيب ويفتر لهيب!
والأمر شبيه هنا إلى حد ما ـ وأقول (إلى حد ما) كيلا يؤخذ هذا التمثيل حرفياً لأنه غير دقيق إذ الأمور هنا أكثر تعقيداً ـ بنزع كلية مريضة من البدن وزرع كلية سليمة في مكانها. فقد يرفضها البدن وقد يقبلها، وهو لا يقبلها إلا بعد عمليات طويلة معقدة يثيرها جهاز المناعة حتى يستقر على رأي حاسم فيها. وكذلك الأفكار لها جهازها المناعي الخاص.
وعلى كل حال، لقد خرج الفرد ـ بعد هدوء العاصفة ـ كيوم ولدته أمه أو شيئاً من هذا القبيل، فكلما استقوت عليه الأفكار اندفع في تيار الأفكار، فإذا به يتطلع إلى آفاق غير تلك التي كان يتطلع إليها، ويتحول إلى مفاهيم وشعارات وعقائد يهيم بها، إلى حد الجنون، فإذا به بين عشية وضحاها يغير ولاءه وعلاقاته وارتباطاته حتى يغدو شخصاً آخر. ولقد حدث الكثير من ذلك في أيام النبي نفسه، عندما كان الأب يثب على ابنه والابن على أبيه، وحيث اكن يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته التي تؤوبه، وكانت الزوج تنكر زوجها وتأتمر به لتقتله وتتقرب بدمه إلى الله. والمثل على ذلك الإخوان الشقيقان نشآ في بيت واحد فانتمى أحدهما إلى حزب وانتمى الثاني إلى حزب آخر. وحدثت القطيعة بينهما. إن كلاً منهما لا ينفك يعيب أخاه ويحقره ويربأ بنفسه عن أن يتردى إلى مثل ما تردى إليه أخوه. هذا ما يحدثه اختلاف الأفكار بين الأخوين الشقيقين، فما ظنك بما يحدث بين الأباعد؟ وهذا أيضاً ما كان يفرق بين الأب وابنه، بين الزوج وزوجه، بين الأخ وأخيه في مكة عندما بدأ محمد دعوته كما ذكرنا. حتى لقد وصفوا القرآن بأنه قول ساحر. ولابد أن الكثيرين منا قد لاحظوا هذه الظاهرة في لبنان بلد الشيع والأحزاب والطوائف والمذاهب والأقليات الدينية والعرقية. فهو تربة خصبة لكل ما يثير ويفرق ويشجع على اقتتال الأخوة. فكل فريق مشحون بطائفة من الأفكار مغايرة للفريق الآخر، ثم جاءت المصالح الحزبية والطائفية والسياسية والاستعمارية لتصبّ الزيت على النار. فكان ما كان مما لست أذكره من هذه الحرب الأهلية الشريرة التي استمرت ستة عشر عاماً. وإذا كان لبنان له عذره لأنه بلد متخلف ينتمي إلى العالم الثالث، فما عذر بلد كبريطانيا التي لم تستطع، ولعلها لا تريد أن تضع حداً للخلاف الطائفي أيضاً بين الكاثوليك والبروتستانت في المملكة المتحدة؟ حروب الأفكار أقوى من حروب المصالح، فإذا انضمت المصالح إلى الأفكار، فآذِنْ بعد ذلك بالخراب والدمار!
المصدر : الفكر العربي في مخاضه الكبير

(0) تعليقات
المجتمع المدني

المجتمع المدني

تقديم
فمصطلح المجتمع المدنيّ بشكله المحدّد، والدّعوة إلى إقامته نشأت في أوربا في القرن السّابع عشر، كما يفيد الباحثون والمؤرِّخون لهذا المصطلح.. وبالشكل الّذي يناسب ظروف النشأة وفلسفتها النظرية، فالمعروف أنّ أوربا كانت تعيش في عصر الظّلام والاضطهاد السياسيّ والفكريّ الّذي تمارسه الكنيسة والاقطاع والنبلاء والملوك والاباطرة.. وكانت المجـتمعات حينها تخضع لارادة الحاكم المُسـتبدّ، وإرادته هي القانون في المجتمع والسّلطة في ذلك الحيِّز التأريخي، لا ينظِّم سلوكهما قانون، وإن وُجِدَ فلا سيادة له، وهو تعبير عن إرادة الحاكم، والانسان خاضِع لارادة هذا الطّاغوت، ولا حرِّيّة ولا حقوق إلاّ ما تفضّل بها الحاكم عليه.. وحين بدأت النهضة السياسية والمناداة بحقوق الانسان الّتي في أوربا كانت تصادرها الكنيسة، وتضع حضراً على الفكر والتفكير، ونشاط الفرد والجماعة، حينذاك تقدّم روّاد الفكر والنهضة الاوربية الحديثة بنظريّة المجتمع المدنيّ، ونشأ هذا المصطلح، فكتب في ذلك هوبز وروسو ولوك وهيغل وماركس، وآخرون غيرهم من مفكِّري أوربا وروّاد نهضتها الحديثة، كلّ في مرحلته، ونظّروا لهذا المجتمع.
وكان الحديث عن المجتمع المدنيّ قد اختفى بعد قيام الحضارة الاوربية الحديثة، ثمّ نشط الحديث عنه كما نشط التنظير له وتطوير المفهوم في الحقبة الاخيرة..
وهكذا نعرف أنّ الحديث عن المجتمع المدنيّ في عالمنا الاسلامي اليوم ليس هو مشروعاً عصريّاً، وإن بُذِلَت جهود تنظيريّة لتحديثه وتطويره. كما نعرف| أنّ الاسلام يملك من أدوات البناء الاجتماعي ما هو كفيل ببناء مجتمع مدنيّ سليم من أمراض المجتمع المدنيّ الّذي دعا له الكُتّاب الاوربيّون|، ويردِّد صداهم باسم الحداثة والحرِّيّة وحقوق الانسان، كُتّاب يعيشون حالة ارتباك الرّؤية، وفقدان المنهجيّة العلميّة في الابداع أو النّقد والتبنِّي، ومحاولة الدعوة إلى التغريب، وتكرار القديم بمصطلحات حديثة.
وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ بناء المجتمع المدنيّ هدف إنساني تسعى لتحقيقه فلسفات ونظريّات متعدِّدة، غير أنّ هذه النظريّات تختلف فيما بينها في تحديد شخصيّة المجتمع المدنيّ وطريقة بنائه ودوره المرسوم، وسـنعرف ذلك من خلال التعاريف المتفاوتة للمفكِّرين وللافكار والنظريّات المنادية ببناء المجـتمع المدنيّ. وسـنعرف أنّ للاسلام رأيه ونظريّته
تعريف المجتمع المدنيّ
ويتّضح من المفاهيم والتعاريف المساقة لتعريف المجتمع المدنيّ أنّ أصحابها يتحدّثون عن عدد من القضايا والمفاهيم والاليّات السياسية والفكرية والاخلاقية والاقتصادية والاجتماعية، ويحاولون أن يشكِّلوا صورة هذا المجتمع من خلالها، كلّ وفق رؤيته وفهمه ونظريّته.
فممّا عُرِّف به : «أ نّه المجتمع الّذي يقوم على المؤسّسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة ; لتحقيق أغراض متعدِّدة...»(1).
والمجـتمع المدنيّ في الفكر الاوربي(2) الرأسـمالي يقوم على أبعاد أساسيّة هي :
1 ـ في المجال الاقتصادي يعتمد على حرِّيّة السوق.
2 ـ وفي المجال السـياسي يقوم على أساس استمداد السّلطة من إرادة الشّعب.
3 ـ إنّ مفهوم المواطنة يحدِّده القانون الّذي يضعه المجتمع.
ويُعرِّف آخرون المجتمع المدنيّ بأ نّه المجتمع الّذي يتلاشى فيه دور السّلطة إلى المستوى الّذي يتقدّم فيه دور المجتمع على دور الدولة، بل ويذهب فريق آخر إلى اعتبار السّلطة وجوداً معارضاً ومواجهاً لوجود الدولة ; لذا يجب تقليص دورها ليسود دور المجتمع.
ويُركِّز الّذين كتبوا عن المجتمع المدنيّ أنّ هذا المجتمع هو الوجود الثالث بين الفرد والدّولة، بين الفلسفة الفردية التي تعطي مجالاً غير محدود للفرد، وبين نظريّة سيطرة الدولة، واتِّساع سلطتها ونشاطها.
«وعُرِّف المجتمع المدني أيضاً بأ نّه : «مجموعة التنظيمات التطوّعيّة الحرّة التي تملا المجال العام بين الاسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والادارة السّليمة للتنوّع الخلّاق» (3).
«وعُرِّف المجتمع بأ نّه ميدان وحيِّز يتكوّن من فعاليّة أناس يتمتّعون بحرِّيّة الانتخاب، ويمارسون هذه الحرِّيّة في إطار القانون والقواعد العامّة، وبشكل مستقل عن إرادة وقرار السّلطة السياسية أو الحاكم».
ويتحدّث جون لوك عن المجتمع المدنيّ فيقول : «وهكذا فحيث يؤلِّف عدد من النّاس جماعة واحدة، ويتخلّى كلّ منهم عن سلطة تنفيذ السنّة الطّبيعية التي تخصّه، ويتنازل عنها للمجتمع، ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمع سياسي أو مدنيّ»(4).
وعرّف آخرون المجتمع المدنيّ بأ نّه : «كلّ المؤسّسـات التي تنتج للافراد التمكّن من الخيرات والمنافع العامّة، دون تدخّل، أو توسّط من الحكومة»(5).
وعُرِّف أيضاً بما يأتي : «المجتمع المدنيّ هو النّسق السياسي المتطوِّر الّذي تتيح صيرورة تمأسسه (تمفصله في مؤسّسات) مراقبة المشاركة السياسية» (6).
وقبل أن نغادر إيراد هذه المجموعة من التعاريف، ينبغي أن نوضِّح أنّ نظريّة المجتمع المدنيّ الاوربي في أساس تشكّلها قامت على المفهوم العلماني للمجتمع، فنظريّة العقد الاجتماعي كانت بداية المناداة بالمجتمع المدنيّ. فممّا انتزعته هذه النظرية من بيئـتها التي كانت تتحكّم فيها الكنيسة أنّ نظريّة الدِّين الكنسيّ مهيمنة على بنية المجتمع والدولة. وتقوم على أساس الحق الالهيّ ـ حكم ثيوقراطي ـ ، وأنّ التخلّص من هذه النظرية هو التحوّل من نظريّة الحق الالهي الكنسيّ إلى نظريّة الحرِّيّة الفرديّة وبناء الحياة على أساس التعاقد الانسانيّ الحرّ.
وكما أوضحنا فللفكر الغربيّ البرجوازيّ والرأسماليّ نظريّته في بناء المجتمع المدنيّ، كما للفكر الماركسي أكثر من نظريّة في بناء المجتمع المدنيّ، وللفكر الاسلامي نظريّته في بناء المجتمع المدنيّ.
وينبغي أن نفهم أنّ مصطلح مدنيّ لا يُناقض مصطلح إيمانيّ.
نظريّة المعرفة أساس التشكيل والبناء
ولنتناول هذه الاُسس المعرفيّة بشيء من الايضاح لنعرف مدى العلاقة بين الفكر الفلسفي والاُسس المعرفيّة وبين نظريّة المجتمع المدني.
1 ـ الفكر اليوناني : ساهم الفكر اليوناني مساهمة فعّالة في تأسيس الفلسفة والعلوم العقلية التي سلكت اُسساً معرفيّة للطبيعة والسياسة والاخلاق والنفس والادب والاجتماع... إلخ.
فمثلاً انطلق افلاطون في نظريّته السياسية من أساس فلسفي يعتمد على أنّ الفرد له حاجات ذاتيّة، وهو يسعى لاشباع تلك الحاجات، ولا يستطيع إشباعها بطريقة فردية، لذا نشأ المجتمع نتيجة للشعور بالحاجة إلى التعاون من أجل إشباع الحاجات.
ونادى افلاطون بنظريّته «المدينة الفاضلة» التي يحكمها الفيلسوف، ولكي تبعد مناشئ الشرور، نادى بشيوعيّة الاموال والنِّساء.
ومن هذه الاُسس انطلق في بناء «المدينة الفاضلة» التي يحكمها الفيلسوف.
وأمّا أرسطوا فيبدأ نظريّته من فلسفته العامّة في الطّبيعة البشريّة، وهي أنّ الانسان مدنيّ بالطّبع، وهو حيوان سياسي ; لا نّه يملك الشعور بالخير والعدالة (حيوان أخلاقي)، وانّ سعادته تتحقّق في العيش الجماعي في ظلِّ المدينة.. والاُسرة عنده هي وحدة البناء، فمن مجموع الاُسر تتكوّن القرية، ومن مجموع القرى تتكوّن المدينة، وأنّ حياة الفرد وسعادته لا تتحقّق إلاّ بالمدينة ; لا نّها غاية في الوجود الانساني، تفرضها طبيعة الانسان التكوينية.
2 ـ الفكر الكنسيّ اللاهوتيّ : عاشت أوربا قروناً عديدة تحت كابوس الفكر الكنسيّ الّذي فرض على أوربا حقبة ظلام ثقافي وسياسي وعلمي دامس.. فكانت الكنيسة هي المخوّل الوحيد في التفكير والتنظير والحكم والسياسة، وحتى نظريات الجغرافية والفلك والفيزياء يجب أن لا تخرج عن منهجها ونظريّاتها الخرافيّة التي رفضت منهج البحث العلمي والمنهجية التجريبية، وتنكّرت للحرِّيّات وحقوق الانسان، فكانت ترى الارض والانسان والسلطة ملكاً لها تتصرّف بها كيف تشاء.
وكم من علماء الطبيعة والباحثين ورجال الفكر المعارض، اُعدِموا، واُحرِقَت كتبهم، واضطُهِدوا بسبب آرائهم العلميّة والسياسية المخالِفة للكنيسة.. لقد كانت الكنيسة تعتقد أنّ البابا مُفوّض من قِبَل الله له ما لله. يحكم ما يشاء، وانّه يملك حقّ إعطاء صكوك الغفران. فكانت عقليّة الكنيسة عقليّة إرهابيّة دكتاتوريّة تنطلق من نظرية التفويض الالهي القائلة بأنّ الله فوّض أمر إدارة شؤون البشريّة إلى البابا، وأنّ إرادته هي القانون.
وقد استمرّ الصِّراع طويلاً بين الفكر الكنسيّ لبناء المجتمع والدولة، وبين الفكر البرجوازي الاوربي، الذي انغلق على اُسس علمانيّة حتى سقط الفكر الكنسي اللاّهوتي المحرّف.
وهكذا انعكست نظرية المعرفة الكنسية للطبيعة والمجتمع والدين والانسان والحياة على بناء المجتمع والدولة والسلطة وعلاقة الاُمّة بالحاكم.
وحين انطلقت من فلسفة اللاّهوت لتفسير الطبيعة والفكر والمجتمع والسلوك والاخلاق والطبيعة البشريّة، انتهت إلى النظام الاقطاعي في الاقتصاد، وإلى الدكتاتوريّة والاستبداد في السياسة ومصادرة حقوق الانسان، واضطهاد المرأة وإقرار الطبقيّة والتمايز بين أفراد النوع الانساني، كما انتهت إلى تحريم البحث العلمي والاستدلال العقلي، وبذا اُبعِدَ العقل والتجربة عن مجال بناء الفكر والعلم والمجتمع.. كما قام المجتمع والدولة على اُسس خرافيّة مُتخلِّفة.
3 ـ الفكر الاسلامي : وينطلق الفكر الاسلامي في تأسيس الحياة السياسية والمجتمع المدنيّ من مرتكزات معرفية أساسية يمكن تلخيصها بأنّ الفطرة البشرية التي فطر الناس عليها هي فطرة خيِّرة :
(فِطرةُ اللهِ الّتي فَطَرَ الناسَ عليها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ ذلِكَ الدِّين القَيِّم ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يَعْلَمون ). ( الرّوم / 30 )
«كلّ مولود يُولد على الفطرة، حتّى يكون أبواه هما اللّذان يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه» (7).
وانّ البشريّة كانت في بداية وجودها على هذه الارض تعيش حياة الوحدة والوئام وتسيِّرها تلك الفطرة، ويضعف فيها دور العقل والغرائز المؤدِّية إلى الخلاف والصِّراع، وأنّ الذات البشرية تحمل الاستعداد لتسخير الاشياء لصالحها واحتوائها، فنشأ الصراع والخلاف على امتلاك الاشياء والسيطرة عليها، فبعث الله النبيِّين، وأنزل معهم الكتاب لرفع الخلاف، ودعوة الناس إلى الحق، قال تعالى :
(كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النّبيِّين مُبَشِّرينَ ومُنذِرين وأنْزَلَ مَعَهُم الكِتابَ بالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فيما اخْتَلَفُوا فيهِ ). ( البقرة / 213 )
ويعتبر مجيء النبيين والكتاب، البداية لتأسيس المجتمع السياسي (المدنيّ) الّذي يحكمه القانون وتديره السّلطة.
وهكذا يربط القرآن بين تأسيس المجتمع المدنيّ، وخروج الانسان من المجتمع الطبيعيّ (الفطريّ)، وبين بعثة الانبياء، ويؤكِّد أنّ المجتمع السياسي (المدنيّ) تأسّس على يد الانبياء والرسالات.
وبما أنّ الانسان ترتكز فيه غريزة حبّ الاجتماع، وهو بحاجة إلى الجماعة، لحاجته إلى تبادل المصالح والمنافع..
قال تعالى :
(يا أيّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَر وأُنْثى وَجَعَلْناكُم شُعوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إنّ أكْرَمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم ). ( الحجرات / 13 )
(... وَرَفَعْـنا بَعْضَهُم فوقَ بَعْض دَرَجات لِيَتّخِذَ بَعْضَهُم بَعْضاً سُخريّاً (8)). ( الزّخرف / 32 )
بما أنّ الذات البشريّة تحمل في أعماقها هذا التكوين الطبيعي، فإنّه يتجسّد في الحياة الاجتماعية التي يحياها الانسان، ويندفع لتأسيس المجتمع المدني (السياسي).
وبمجموع هذه الاُسس المعرفيّة ينطلق الفكر السياسي الاسلامي.. وتكون مهمّة القانون والدولة هي رفع الخلاف وصيانة الفطرة بنقائها الخيِّر (حمايتها من التلوّث) كما تتم حماية البيئة والطبيعة من التلوّث.
4 ـ الفكر البرجوازي الاوربي : قام الفكر البرجوازي الاوربي على خلاف ما كانت تحمله الكنيسة من أفكار ونظريّات، فقد قام على أساس الفلسفة المادية العلمانية..
وانطلق هذا التيّار الجديد من نظريّة الالحاد المادِّي، كردّ فعل لتصرّف الكنيسة، وموقفها المعادي للعقل وللعلم التجريبي والابتكار التقني، وولدت نظريات مادية مُلحِدة لتفسِّر الكون والطّبيعة والمجتمع والسلوك والاخلاق..
فأنكرت دور العقل والايمان والاخلاق في بناء المجتمع.. ونادت بفصل الدِّين عن الحياة بكل الابعاد والمجالات، واعتبرته اسطورة وخرافة، وانطلق هذا الفكر من الاباحية في السلوك تحت اسم الحرِّيّة، واعتبرت الاخلاق قيود على السلوك البشريّ صنعتها ظروف البيئة الاجتماعية، كما انطلقت من نكران علميّة البحوث العقلية، وحصر العملية في البحث التجريبي المادِّي.
وفي المجال الاقتصـادي انطلقت من الحرِّيّة المُطلَقـة في الانتاج والاستهلاك والتوزيع والادِّخار، وأقام اقتصاده على أساس آلية السوق (نظريّة العرض والطّلب)، ممّا قاد الاقتصاد إلى الرأسمالية الاحتكارية، والاسـتعمار الاقتصادي، وتقسيم البشريّة إلى طبقة صغيرة مُستقلّة مُرفّهة، والطبقة الاكثريّة المسحوقة المُضطهدة التي فرض عليها النظام الرأسمالي الفقر والتخلّف والاضطهاد.
وفي المجال السياسي انطلق هذا الفكر من نظريّة تحليل المجتمع البشري إلى أنّ المجتمع الانساني مرّ بمرحلتين، وهما : مرحلة المجتمع الطبيعي، ومرحلة المجتمع السياسي. وانّ المجتمع السياسي (المدني) نشأ نتيجة للعقد السياسي بين الحاكم والمحكوم، فحفظ الحقوق الطبيعية للانسان. ومنطلقها الحرِّيّة، فيكون هدف السلطة هو حماية الحرِّيّات، والسّلطة نتاج العقد السياسي..
وعلى مجموع هذه النظريات قامت السلطة والدولة والمجتمع المدني الاوربي.. وبذا نفهم دور الفكر المعرفي الاوربي، الّذي استفاد كثيراً من الفكر اليوناني، نفهم دوره في بناء المجتمع المدني والسلطة السياسية على أساس العلمانية العلمية، والرأسمالية الاقتصادية، والاباحية السلوكية، والحرِّيّة الشكليّة في السياسة التي يحولها النظام الى الرأسماليّة التي تُسلِّط الطبقة الرأسمالية في الحكم والسياسة والثقافة.
وعلى أساس هذه النظرية اُقيم العالم الرأسمالي، وعانت البشرية من ويلات الاستعمار والاحتكارية الرأسمالية الجشعة والحروب والكوارث.
لا للمجتمع المدني الغربي ـ نعم للدولة في الإسلام
«الدولة الاسلامية، هي الدولة التي تقوم على أساس الاسلام، وتستمد منه تشريعاتها »(9).
تُشكِّل الدولة أبرز ظاهرة في الحياة الاجتماعية المعاصرة.. وتتميّز بأ نّها مؤسّسة سياسية ذات سلطة مُلزمة.. والدراسة الاستقرائية للنصوص الاسلامية والسيرة العملية توصلنا إلى أنّ الفكر الاسلامي اعتنى عناية خاصّة بمسألة الدولة والسّلطة، واعتبرها ركناً أساسياً من أركان البناء الاسلامي..
والفكر الاسلامي سبق الفكر الاوربي المعاصر بقرون عديدة بتمييزه بين شخصية الدولة وشخصية الحاكم، فقد كانت شخصية الدولة قبل مجيء الاسلام مندكّة بشخصية الحاكم.. ويُعتبر هذا التمييز انجازاً حضارياً عظيماً في عالَم السياسة والعدالة والدولة واحترام حقوق الانسان..
لقد فصل الاسلام بين شخصية الامام أو الخليفة وبين الدولة، واعتبر الامامة منصباً يملؤه الامام. كما اعتبر السّلطة أمانة ورعاية عامّة لشؤون الاُمّة يتحمّلها الحاكم..
قال تعالى : (إنّ اللهَ يأمركُم أن تُؤدّوا الاماناتَ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُم بينَ النّاسِ أن تَحْكُمُوا بالعَدْل ). ( النساء / 58 )
وورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «كُلّكُم راع وكُلّكُم مَسؤولٌ عَن رعيّته»(11).
وفي تعريفنا الموجَز بالدولة الاسلامية هذا، يجدر أن نُعرِّف بأبرز المبادئ التي تُحدِّد سياسة الدولة وطبيعتها وعلاقتها بالاُمّة وبالعالم غير الاسلامي، وهذه المبادئ هي :
1 ـ تتميّز شـخصيّة الدولة في الاسلام عن شـخصيّة الحاكم : فالدولة لها شخصية قانونية مُستقلّة، والحاكم أمين ومُكلّف بأداء مسؤوليّته تجاه الاُمّة والمبادئ.
2 ـ الشورى واحترام رأي الاُمّة : والعنصر الاساس الذي يعتمد عليه الحكم في الاسلام هو عنصر البيعة والشورى.. فالبيعة والشورى تعبير عن أنّ الاُمّة هي صاحبة الحقّ في السّلطة أو في الخلافة العامّة. كما يُعبِّر عنها الفقيه الشهيد محمّد باقر الصّدر بقوله :
«وأمّا خطّ الخلافة الّذي كان الشهيد (12) المعصوم يُمارسه، فما دامت الاُمّة محكومة للطاغوت، ومقصيّة عن حقِّها في الخلافة العامّة، فهذا الخطّ يُمارسه المرجِع (13)، ويندمج الخطّان حينئذ ـ الخلافة والشهادة في شخص المرجِع ـ ، وليس هذا الاندماج متوقِّفاً على العصمة ; لانّ خطّ الخلافة في هذه الحالة لا يتمثّل عمليّاً إلا في نطاق ضيِّق، وضمن حدود تصرّفات الاشخاص، وما دام صاحب الحق في الخلافة العامّة قاصراً عن ممارسة حقِّه، نتيجة لنظام جبّار، فيتولّى المرجِع رعاية هذا الحقّ في الحدود المُمكِنة، ويكون مسؤولاً عن تربية هذا القاصر، وقيادة الاُمّة لاجتياز هذا القصور، وتسلّم حقّها في الخلافة العامّة، وأمّا إذا حرّرت الاُمّة نفسها فخطّ الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تُمارِس القيادة السياسية والاجتماعية في الاُمّة بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس الركائز المتقدِّمة للاستخلاف الربّاني، وتُمارِس الاُمّة
دورها في الخلافة في الاطار التشريعي للقاعدتين القرآنيّتين التاليتين :
(والّذينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِم وَأقامُوا الصّلاةَ وَأمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم ومِمّا رَزَقْناهُم يُنْفِقُون). (الشورى/38)
(وَالمُؤْمِنونَ وَالمُؤْمِناتُ بَعْضُهُم أوْلِياءُ بَعْض يأمُرونَ بالمَعْروفِ ويَنْهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقيمونَ الصّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إنّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم ). ( التّوبة / 71 )
ويتحدّث الامام عليّ (عليه السلام) عن الحق الذي تصنعه البيعة بين الاُمّة والحاكم، حين بويِعَ بالخلافة، فيقول : «إنّ لي عليكم حقّاً، ولكم عليَّ حقّ، فأمّا حقّكم عليَّ... وأمّا حقِّي عليكم فالوفاء بالبيعة»(14).
ويُثبِّت القرآن مبدأ الشورى في خطابه للرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَشاوِرْهُم في الامْر، فإذا عَزمتَ فتوكّل على الله ). ومن هذا النصّ القرآنيّ الكريم يُستفاد مبدأ مشاورة الحاكم للاُمّة واحترام رأيها.. كما ويُثبِّت القرآن مبدأ الشورى بين المسلمين في الحكم وفي الحياة العامّة بقوله:
(والّذينَ اسْـتَجابُوا لربِّهم وأقامُوا الصّلاة وأَمْرُهُم شورى بينهم ... ). ( الشّورى / 38 )
وبذا يُسقِط الفكر السياسي الاسلامي الاستبداد السياسي، ويعطي الاُمّة دوراً فعّالاً في الحياة السياسية وتصحيح حياتها الاجتماعية وفق مبادئها ومصالحها العامّة.
3 ـ إنّ السلطة أمانة ومسؤولية : ويُثبِّت القرآن مبدأً سياسيّاً هامّاً، وهو أنّ السلطة أمانة بيد الحاكم ورعاية لشؤون الاُمّة، فهو أمين وراع ومسؤول، وليست السلطة تملّكاً للاُمّة ولا تسليطاً عليها.. يتصرّف فيها تصرّف المالك، ويعاملها تعامُل المُتسلِّط.. يوضِّح ذلك قوله تعالى :
(إنّ اللهَ يأمركُم أن تُؤدّوا الاماناتَ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُم بينَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْل ). ( النساء / 58 )
وقول الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كُلّكُم راع وكُلّكُم مسؤولٌ عن رعيّته»(15).
ومبدأ المسؤولية المُثبّت في هذا النصّ وفي العشرات من النصوص التي تتحدّث عن الامر بالمعروف والنّهي عن المُنكر وعن النصيحة والمحاسبة، يعطي الاُمّة حقّ مُساءلة الحاكم عن تقصيره، وسوء إدارته، أو استغلاله للسلطة، أو انحرافه عن المبادئ كما هو مسؤول أمام الله سبحانه يوم يقوم الاشهاد.
4 ـ الدولة الاسلامية دولة قانونيّة : قبل الحديث عن قانونيّة الدولة الاسلامية، ينبغي أن نُوضِّح معنى الدولة القانونيّة.. فمعنى الدولة القانونية بايجاز هو أنّ الدولة بما هي شخصيّة قانونيّة، فانّها تخضع بكل ما فيها من سياسة وإدارة وسلطة للقانون، يحكم سلوكها، ويُنظِّم بنيتها، ويُقاضيها حين التقصير، كما يحكم سـلوك الافراد ويُقاضيهم حين التقصير..
فالرسالة الاسلامية ثبّتت مبدأ ولاية الامر (السلطة)، وأعطت وليّ الامر صلاحيات الولاية، وبيّنت ما له وما عليه من الحقوق والواجبات تجاه الاُمّة..
والتحليل العلمي لمعنى الولاية في الاسلام يُوضِّح لنا أنّ الولاية في الاسلام هي ولاية تنفيذيّة، أي أنّ الشخص المُكلّف بتنفيذ أحكام الشريعة وقيمها ودعوتها وحفظ مصالحها، يحتاج في كثير من الاحيان إلى صلاحيّات الالزام (الولاية). لذا أُعطِيَ مَن يلي اُمور المسلمين هذه الولاية (صلاحية الالزام) ; ليتمكّن من أداء مهامه. لذا فهي ولاية تسلّط أو امتلاك، ولا ولاية من نوع ولاية الاب على أبنائه الصِّغار. وحتى ولاية الاب في الشريعة الاسلامية فانّها منوطة بحُسن تصرّف الاب وحرصه على مصلحة الابناء، ولذا يفقد ولايته الفعليّة بفقده الرُّشد وتصرّفه تصرّفاً ضرريّاً بأبنائه. ويُوضِّح القرآن قانونيّة الدولة وسيادة القانون في خطابه للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المُمثِّل للولاية والسلطة الشرعية، يوضِّح ذلك بقوله :
(إن أتّبِعُ إلا ما يُوحى إليَّ ). ( يونس / 15 )
(ثُمّ جَعَلْناكَ على شريعة مِنَ الامْرِ فاتّبِعْها ولا تَتَّبِع أهواءَ الّذينَ لا يَعْلَمُون ).(الجاثية/18)
(... قُل ما يكون لي أن أُبدِّلهُ مِن تِلقاءِ نَفْسي... ) ( يونس / 15 )
(... وَأُمِرْتُ لاعْدِلَ بَيْنَكُم... ). ( الشورى / 15 )
وهكذا يُوضِّح القرآن أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مُنفِّذ ومُتّبع للشريعة والقانون والاوامر الالهية، وليس فوقهما.. ومن ذلك نفهم أنّ الدولة الاسلامية هي دولة خاضعة للقانون وليست فوق القانون، بل هي مُنفِّذة للقانون وقائمة على حماية المصالح ودرء المفاسد.
5 ـ استقلال القضاء :
(إنّ اللهَ يأمُرُكُم أن تُؤدّوا الاماناتَ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُم بَينَ الناسِ أن تَحْكُموا بالعَدْل... ). ( النساء / 58 )
ومن المزايا الاساسية في الدولة الاسلامية والمجتمع الاسلامي هو حُرمة القضاء وقُدسيّته واستقلاله وحمايته من تأثير أي سلطة..
ووجود القضاء المستقلّ الذي تُعاطي الافراد والسلطة على حدٍّ سواء، وفق معايير الحقّ والعدل، لهو من أبرز مظاهر الدولة الحضارية والمجتمع المتحضِّر..
فالقضاء المُستقلّ وشمول سلطته التي لا يُستثنى منها أحد مهما كان موقعه في الدولة والمجتمع، لهو الحصانة الكُبرى لحفظ الامن وحماية الحقوق، وردع التعسّف السلطوي ضدّ الافراد والجماعات والهيئات.
وكم هو عظيم قول الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تُقدّس اُمّة لا يُؤخَذُ فيها للضّعيف من القوي حقّه غير متعتع».
ويؤكِّد القرآن حُرمة التحاكم إلى الطاغوت، وهو الحاكم الظالم الذي لا يقضي بالحق ولا يعمل بأحكام الشريعة العادلة.. جاء ذلك في قوله تعالى :
(ألَم تَرَ إلى الّذينَ يَزْعمونَ أ نّهُم آمَنوا بما أُنزِلَ إلَيْكَ يُريدونَ أن يَتَحاكَمونَ إلى الطّاغوتِ وقد أُمِروا أن يَكْفُروا بِه ). ( النساء / 60 )
إنّ هذا التعريف الموجَز بالدولة الاسلامية وبالمجتمع المدنيّ القائم على هدي القيم الاسلامية يُوضِّح لنا سموّ الفكر الاسلامي وقوّته الفائقة على قيادة البشريّة في مراحلها المتتالية.
وفي الختام يجدر بنا نحن المسلمين أن نوجِّه الدعوة إلى العالَم لكي يتّخذ من الاسلام ديناً ودولةً وحضارة. فليس أمام البشريّة من مُنقِذ
غير الاسلام، وستكتشف أجيال البشريّة القادمة عظمة هذا الدِّين الالهيّ عندما يسود العلم والعقل. وعندها ينطبق قول الله الحق :
(وَلَقَد كَتَبْنا في الزّبورِ مِن بعد الذِّكرِ أنّ الارْضَ يَرِثُها عِبادي الصّالِحون ).(الانبياء/105 )
ـــــــــــــــــــ
(1) د. كريم أبو حلاوة / مجلّة عالم الفكـر / العدد الثالث ـ يناير / مارس / 1999م، ص12.
(2) المصدر السّابق / ص 12.
(3) د. أماني قنديل / المصدر السّابق / ص 99.
(4) جون لـوك / في الحكم المـدني / ترجمة ماجد فخـري، نقـلاً عن كمال عبد اللّطيف / المجلّة العربية للعلوم الانسانية / العدد 55 / 1996 م/ ص 66.
(5) يُراجع المصدر السّابق / ص 72.
(6) المصدر السّابق.
(7) الطبرسي / مجمع البيان / تفسير سورة الرّوم / الاية (30).
(8) يستفيد بعضهم من طاقة البعض الاخر.
(01) تقسم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الدولة في الاسلام الى قسمين : قسم يُقام على يد الامام المعصوم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقسم يُقام في عصر الغيبة ـ عدم وجود إمام ظاهر ـ . وتعريفنا هذا هو عن الدولة في القسم الثاني.
(11) أحمد بن حنبل / مسند أحمد / ج 2 / ص 54.
(12) يقصد بالشهيد : الرّقيب العقائدي الذي يتولّى دور الشهادة على الاُمّة.
(13) المرجع : الفقيه.
(14) نهج البلاغة / تنظيم د. صبحي الصّالح / ص 79.
(15) مسند أحمد بن حنبل / ج 2 / ص 54.
الخلاصة
ان مصطلح المجتمع المدني والدعوة الى إقامة نشأ في أوروبا في القرن السابع عشر كرد فعل لما كانت تقوم به السلطة الكنيسة والتي كانت تحكم ضمن مفهوم الحق الإلهي «الثيوقراطي»، وقد وُظف هذا المصطلح بشكل أخرجه عن الصورة التي سعى إليها أصحابها ـ أي أصحاب نظرية المجتمع المدني ـ ان الحديث من المجتمع المدني قد عاد الى التنظير مجدداً بعد اختفاءه مع قيام الحضارة الأوربية ودعا إليه الكثير من أصحاب المذاهب المادية والعلمية المعاصرة وحتى بعض الإسلاميين الذين لم يستوعبوا الإسلام جيداً على أنه دين ودولة لها أركانها وشروطها التي تخالف فيه الصورة التي تشكل عليها بنيان الفكرة التي انطلق منها هذا المفهوم المعاصر وقد طُرح خلال البحث صورة موجزة واضحة عن تركيبة المجتمع والدولة في الإسلام ليتبين أن هناك صورة لهذا المجتمع المزعوم يتبناها الإسلام ولكن وفقاً لما يريد.
مصطلح
المجتمع المدني: هو المجتمع الذي يقوم على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة.

(0) تعليقات
مفهوم الجغرافيا

تعتبر الجغرافيا من أقدم العلوم والمعارف البشرية التي عرفها الإنسان وذلك بهدف التعرف على بيئته وإمكاناتها منذ أن خلقه الله على سطح هذا الكوكب. ولم يقف الإنسان في العصور القديمة عند حد التعرف على البيئة، بل حاول تفسير وجود الظاهرات الطبيعية التي تحيط به وتنتشر حوله. ولكن هذه التفسيرات اعتمدت على الخيال فجاءت نوعا منن الخرافات والاعتقادات الغريبة. ويمكن القول بأن الإنسان  جغرافي بطبعة حيث بدأ يتأمل ما هو حوله  من ظاهرات على سطح الأرض منذ وجوده على سطح هذا الكوكب بغرض التعرف على هذه الظاهرات وملاحظتها وتفسيرها.

ويرجع أصل كلمة جغرافيا Geography إلى اللغة الإغريقية وتتكون من مقطعين Geo وتعني الأرض وGraphy وتعني وصف، وهذا يعني أن الجغرافيا هي علم وصف الأرض. ويعد هيكاتايوس أول من استخدام كلمة جغرافيا" عنواناً لأحد مؤلفاته وذلك في القرن السادس قبل الميلاد.

واختلف العلماء والباحثين على وضع تعريف محدد لعلم الجغرافيا ولكن هذه التعريفات الكثيرة والمتعددة تدور بصفة عامة حول مفهوم واحد تتمثل في أن علم الجغرافيا هو علم الذي يدرس العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها ويوضح مدي التفاعل الذي ينشأ عن هذه العلاقات في إطار الأبعاد والاختلافات المكانية.

وقد طرأ تغير كبير على الجغرافيا منذ حركة الكشوف الجغرافية التي ازدهرت في عصر النهضة الأوروبية، وقد ظهر هذا التغير في اتساع قعة المعمورة وفي تطور الفكر الجغرافي ودراسة الإنسان والبيئة.

وعلى الرغم من هذا التقدم إلا أن نمو الجغرافيا الحديثة كان بطيئاً. ففي أثناء القرن الثامن عشر وهي الفترة التي تقدمت فيها العلوم الطبيعية ظهرت نظريات مختلفة تفسر نشأت المجموعة الشمسية وتشرح تكوين تضاريس القشرة الأرضية، ومن أمثلة هذه النظريات نظرية كانت Kant ونظرية جيمس هوتن Hutten والتي أطلق عليها نظرية الأرض، ونظرية بيير لابلاس Pterie La Place. ولم يقتصر الأمر على ظهور نظريات جديدة تفسر وجود المجموعة الشمسية بل تحولت الجغرافيا في  هذه الفترة بفضل  مجهودات فروستر Froster وكانت Kant من مجرد علم يخدم التاريخ لتصير سيداً له إذا استطاع الأول أن يوضح طريقة بحثها، بينما تمكن الثاني أن يعرف موضوع مجال الدراسة. فقد توصل فروستر إلى شرح العلاقة بين الإنسان وبيئته، في حين تمكن " كانت" من التميز بين التاريخ والجغرافيا فذكر أن من الممكن تسمية التاريخ والجغرافيا " موضوعات وصفية" غير أن التاريخ هو سجل الحوادث، أي يتابع الواحدة بعد الأخرى خلال الزمن. أما الجغرافيا فهي سجل للظاهرات التي تتوالي على سطح الأرض. ويبدو من هذا أن الجغرافيا في نظر " كانت " عبارة عن توأم التاريخ وليست تابعة له أو من صنعه.

ويتسم مجال البحث الجغرافي بالاتساع الكبير فهو يدرس سطح الأرض باعتباره ميدان الحياة البشرية وما عليه من ظاهرات طبيعية وبشرية، وقد أصبح للجغرافيا طبيعة مزدوجة Dualism فهي تنقسم إلى قسمين رئيسيين هما: الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية، وينقسم كلا  منهما إلى العديد من الفروع الجغرافية وتختص كل منهما بدراسة الظاهرات المتصلة بمجاله في علاقتها بالإنسان أو بالبيئة كلا حسب تخصصه.

وتهتم الجغرافيا الطبيعية Physical Geograsphy  بدراسة البيئة الطبيعية بعناصرها المختلفة وهي: الماء والهواء والصخور والتضاريس  والمناخ والنبات والتربة والحيوان، أو بعبارة أخري الظاهرات التي لا دخل للإنسان فيها.

وأهم فروع الجغرافيا الطبيعية هي:

1-                     جغرافية التضاريس.

2-                     الجيمورفولوجيا.

3-                     جغرافية البحار والمحيطات.

4-                     جغرافية المناخ.

5-                     جغرافية التربة.

6-                     الجغرافية الحيوية.

7-                     جغرافية المياه.

8-                     الجغرافيا الفلكية.

أما الجغرافيا البشرية Human Geaoraphy فهي تتناول دراسة الإنسان من حيث سلالاته البشرية أو ما يعرف بالأجناس البشرية وأصل هذه السلالات وتطورها، فضلاً عن توزيع السكان والعوامل المؤثرة في هذا التوزيع، بالإضافة إلى دراسة النمو السكاني والكثافة السكانية وعلاقته بالبيئة من حيث استغلال مواردها في إشباع حاجاته عن طريق ممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة مثل الزراعة والصناعة والثروة المعدنية والثروة السمكية والنقل والتجارة والخدمات، كذلك يتعامل الإنسان مع بيئته في اختيار مواقع السكن الخاص به سواء في المدن أو القرى.

وأهم فروع الجغرافيا البشرية هي:

1-                     جغرافية الأجناس ( جغرافية السلالات البشرية).

2-                     جغرافية السكان.

3-                     جغرافية المدن.

4-                     الجغرافيا السياسية.

5-                     الجغرافيا الإقليمية.

6-         الجغرافيا الاقتصادية والتني تضم العديد من فروع الجغرافيا مثل: جغرافية الزراعة وجغرافية الصناعة وجغرافية الإنتاج المعدني وجغرافية النقل وجغرافية التسويق وجغرافية استخدام الأرض وجغرافية الطاقة وجغرافية الموارد الاقتصادية وجغرافية السياحة وجغرافية الاستهلاك وجغرافية الخدمات وجغرافية التجارة الدولية.

وقد زخرت المكتبة العربية بالعديد من مؤلفات الجغرافيا العامة، وفي هذا الخضم الهائل من هذه المؤلفات حاولنا وضع كتابنا الجغرافيا العامة بحيث يتميز بالشمولية وتنوع الموضوعات وسهولة العرض مع مراعاة منهجية هذا الفرع من فروع الجغرافيا.

ويضم هذا الكتاب عشرة فصول، جاءت على جزئيين الجزء الأول والخاص بالجغرافيا الطبيعية، ويشمل خمسة فصول، حيث تناول الفصل الأول نشأة الأرض. أما الفصل الثاني فتعرض لدراسة شكل الأرض وأبعادها، في  حيث تناول الفصل الثالث توزيع اليابس والماء، بينما تناول الفصل الرابع الأشكال التضاريسية الكبرى، وتعرض الفصل الخامس لدراسة النبات الطبيعي في العالم.

أما الجزء الثاني والخاص بالجغرافيا البشرية فقد اشتمل على خمسة فصول أيضاً.

حيث تعرض الفصل السادس لدراسة توزيع السكان في العالم، الفصل السابع فقد تناول دراسة الزراعة، أما الفصل الثامن فقد تعرض لدراسة الثروة المعدنية، بينما جاء الفصل التاسع تحت عنوان الصناعة، في حين تناول الفصل العاشر والأخير المقومات الجغرافية للدولة.

 

(0) تعليقات
الجغرافيا بين المفهوم والمصطلح

 

 

 


 

سنحاول في هذا العرض تقديم بعض الملاحظات العامة المتعلقة بمدى حضور المفهوم والمصطلح في الجغرافيا. هل يمكن الحديث عن مفهوم خاص بالجغرافيا؟ وهل يمكن الإقرار بمصطلح خاص بالجغرافيا؟.

إن الإجابة عن هذين السؤالين تفرض علينا :

-     تحديد مفهوم الجغرافيا بشكل عام

-     علاقة الجغرافيا بالعلوم الأخرى

-     المفهوم في الجغرافيا

-     المصطلح في الجغرافيا

-     حدود استعمال المفهوم أو المصطلح في الجغرافيا

-     اقتراحات عامة.

1-  تحديد مفهوم الجغرافيا

أول ما يثير الانتباه هل لفظة "جغرافيا" مصطلح أم مفهوم؟ فالكلمة في الأصل   كلمة   يونانية   وتعني Géographie    :  Geo هي  الأرض و graphieهي الوصف بمعنى أن الجغرافيا علم وصف الأرض. إننا نتعامل مع مصطلح غريب عن العربية منذ آلاف السنين، حتى أصبحنا نعتبر أن كلمة جغرافيا هي من ابتكارنا وأن هذا الاصطلاح عربي وهذا طبعا يتنافى مع الصواب، فالجغرافيا يمكن أن تكون مصطلحا ويمكن أن تكون مفهوما ولتفسير هذه الإشكالية لابد من الوقوف على بعض الأسس التي تحدِّد المفهوم وتلك التي تحدد المصطلح. قبل ذلك يمكن تلخيص المفهوم العام الذي تتناوله الجغرافيا في النقط التالية :

* دراسة علاقة الانسان ببيئته الطبيعية وأساليب تفاعله معها

* دراسة نتائج التفاعل في أفق فهم وتحديد الميكانزمات والقوانين المتحكمة فيها،

* دراسة التوزيع المجالي للعناصر الطبيعية والبشرية بالاعتماد على المشاهدة والوصف في مرحلة أولى ثم التحليل والتعليل بعد ذلك.

إن الصعوبة التي تعيق الجغرافيا هي أنها علم لا يمكن دراسته بمعزل عن العلوم الأخرى، فهناك فريق يقول أن تداخل الجغرافيا مع باقي العلوم يعطيها قوة معرفية وبالتالي شخصية واضحة. و هناك فريق آخر يقلل من أهميتها العلمية باعتبارها عديمة الشخصية لا ترتكز على أسس علمية خاصة بها، وأنها مادة معرفية تصلح فقط لشحن ذهن المتلقي بأفكار جاهزة يمكن للوسائل السمعية والبصرية الحديثة توفيرها بسهولة.

2- ماهي العلاقة الموجودة بين الجغرافيا والعلوم الأخرى؟

لا شك أن إشكالية التدقيق في المصطلحات والمفاهيم من الإشكاليات الحساسة المطروحة على الباحثين في مختلف العلوم، وقد نالت الجغرافيا قسطا وافراً من الاهتمام من أجل جعلها مستقلة تنفرد بمنظومة مفاهيم ومصطلحات خاصة بها، ورغم هذا فإنها ما زالت تستعمل مصطلحات ومفاهيم اقتبستها من علوم أخرى (شبكة فرينان وروب) مما يجعل أغلب مفاهيمها تبقى مفتوحة الشيء الذي يجعل عِلميتها نسبية بالمقارنة مع العلوم الحقة لأخرى.

فما هي إذن إشكالية المفهوم والمصطلح في الجغرافيا؟

 

3-3-1 المفهوم الجغرافي:

المفهوم هو أفكار جد دقيقة وتصورات عن الواقع في الذهن وتكون محسوسة أو مجردة، انطلاقا من هذه النتيجة نتساءل إلى أي حد يمكن الحديث عن المفهوم الجغرافي؟ لا ريب أن المفهوم في أي علم من العلوم يكون ملازماً له وبالتالي فتطور المفهوم يؤدي إلى الإسراع في تطور العلم والعكس صحيح. ومن خلال هذا تتضح لنا أهمية المفهوم في الفكر الجغرافي الذي لازمه منذ نشأته. إلا أنه بقدر ما تطور المفهوم الجغرافي بقدر ما تطور معه المحتوى الجغرافي وهنا لا بأس من التذكير بتقسيمNorman Graves المتعلق بسُلم متدرج للمفاهيم الجغرافية حيث قسمها إلى فئتين :

الفئة الأولى: هي المفاهيم الجغرافية التي تقوم على الملاحظة والوصف وهي بالتالي من المفاهيم المحسوسة مثل الظواهر والأشكال الطبيعية والبشرية القابلة للملاحظة والمشاهدة العينية مثلا التضاريس : جبال، هضاب، سهول، أو نشاط بشري أو اقتصادي: زراعة، مدينة، معمل...

إن هذه الفئةمن المفاهيم الوصفية كانت ملازمة للفكر الجغرافي منذ ظهوره رغم كونها عرفت تطورات عبر الحضارات، فمفهوم الأرض مثلاً عند البابليين: ذات شكل منبسط، والمصريون القدامى اعتبروها طويلة الشكل تبعاً لطول وادي النيل إلى غير ذلك من الأمثلة.

الفئة الثانية : وهي مفاهيم تقع في مستوى أعلى من التجريد بالنسبة للمفاهيم الأولى وتحاول أن تعطي مجموعة من التفسيرات والتعليلات لمجموعة من العلاقات التي تميز المفهوم وذلك تمشيا مع التطورات التي عرفها الفكر الجغرافي، فظهور النظرية المادية لكانط وديكارت اللذين أدخلا مبدأ السببية في العلوم الحقة، وظهور نظرية التطور لداروين وكذلك الاكتشافات الجغرافية الكبرى ساهم وبشكل مباشر في تطور المفهوم الجغرافي وجعله مسايراً للتطورات الحديثة.

إذن المفهوم في الجغرافيا الحديثة اعتمد على التفسير والتعميم فالتفسير يقتضي البحث عن الأسباب التي تؤدي إلى وجود ظاهرة مجالية من حيث مورفلوجيتها ومكانها وحركتها. أما التعميم فيتجلى في تعميم المفاهيم ومبادئ وقوانين ونظريات التفسير عبر بناء "مفاهيم ومبادئ وقوانين ونظريات من أجل الرفع من مردودية الجغرافيا" ومن خلال هذا نريد أن نشير إلى أن الجغرافيا قد أخذت بعض المفاهيم من العلوم الأخرى خاصة العلوم المتشابهة سواء من العلوم الطبيعية، العلوم الاجتماعية أو الاقتصادية.

وبهذا أصبحت تتوافر الجغرافياعلى بعض المفاهيم المختلفة باختلاف هذه الفروع العلمية، مما أدى إل